فهذه النُّقول تبيِّن أنَّ أغلب الفِرق تقول بالتَّنزيه، ولكنَّنا عند التَّطبيق نجد اختلافًا وتنافُرًا بين ما سلكوه عمليًا وما ارتضَوه نظريًا، وذلك لأنَّ كل فرقةٍ ترى التَّنزيه بمنظارها ووفق أصولها، حتَّى عُدَّ التأويل تنزيها!! ونفى الصِّفات تنزيهًا!! في اختلافٍ كبيٍر ليس هذا محلّه (3) .
وبناءً على ذلك فقد رأت كلُّ فرقةٍ كلَّ حديثٍ يُناقض أصولها مناقضًا للتَّوحيد والتَّنزيه، فردَّت بذلك أحاديث كثيرةً، دون وجه حقٍّ، وقد كان هذا الرَّدُّ صريحًا عند بعضهم، وغير صريحٍ عند آخرين، وبخاصَّةٍ في الأحاديث التي تتعلَّق بالصِّفات، إذ هي الأكثر إثارةً للجدل في تاريخ الفكر الإسلامي.
ولسوف اتعرَّض لنماذج من الأمثلة، وهي كثيرةٌ متعدِّدةٌ، لا أستطيع استيعاب ولو نسبةٍ ضيئلةٍ منها، وما سأذكره يندرج تحته مثيله ونظيره، ومن النَّماذج:
(4) عقيدة السلف اصحاب الحديث: 12 - 13، الدار السفية - الكويت، ط الثانية: 1399هـ/1979م.
(1) سورة ص: 75.
(2) سوةر الشوري: 11.
(3) انظر بسط هذا عند: د. راجح الكردي - علاقة صفات الله تعالى بذاته: 165 - 181 و 183 - 208 دار العدوي للتوزيع والنشر - عمان، ط الأولى 1400هـ/1980م.
أوّلًا: تنزيه الله عن الجسميَّة ومتعلّقاتها: لقد وردت آياتٌ وأحاديثُ كثيرةٌ تثبت لله تعالى بما يُوهم الجسمية ومُشابهة المخلوقات، كالعين، واليدين، والوجه، ومن الأحاديث الأصابع، القدم، النَّزول، ... إلخ.
فالمعتزلة يقتصرون على ما نطق به القرآن، ويرفضون ما جاءت به السُّنَّة من هذا القبيل ثمَّ يَعمَدُون إلى النُّصوص القرآنيّة، فيصرفونها عن ظاهرها.
أمَّا أهل السُّنَّة فيؤمنون بما جاءت به الآيات والأحاديث، دون تأويلٍ أو تحريفٍ أو تعطيلٍ، وقد جعل البعض لفهم أهل السنَّة ومن يلتحق بهم لهذه الأحاديث منهجين:
منهج السَّلف: وهو الإيمان بما ورد في هذه النُّصوص، وإثباته مع تفويض كيفيته إلى الله تعالى.
منهج الخلَف: وهو تأويل ما يوحيه ظاهر النُّصوص ليتَّسق مع تنزيه الله عن الجسميَّة والجارحة.
ومن أمثلة هذا الضَّرب من الأحاديث ما رواه البُخاريُّ (1) ومُسلمٌ (2) عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال: (( يَنْزِلُ رَبُّنَا - تَبارك وتعالى - كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّيْنَا حِيْنَ يَبْقَى ثُلُثُ الّليلِ الآخِر يقُول: مَنْ يَدْعُوني فَأسْتَجِيْب لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَه،