…وافتتح هذه المقدمة بقريبٍ من خطبة الحاجة ، وخطبة الحاجة جاءت على روايات ، وهي ثابتةٌ عند أحمد في:"مسنده"، وكذا غيره . وقد صححها جماعات ، ومن أولئك: ابن حجر ـ يرحمه الله ـ في:"التلخيص الحبير"، في آخرين .
…وأصلها في الصحيح ؛ إِلا أن ما جاء في:"صحيح مسلم":"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رقى صبيًا بقوله: إن الحمد لله نحمده ونستعينه … الخ"إِنما رقاه ، ولم يبدأ بخطبة الحاجة هنا .
…ولذلك استحسن الفقهاء البدء بالحمدلة مُطلقًا لا بـ (إن) في خطبة الجمعة وغيرها ، ولذلك بدأ المصنف بالحمد ، والبدء بالحمد عليه أدلةٌ ظاهرة مشهورة.
…ثم ذكر المصنف ـ يرحمه الله ـ ضِمنَ هذه الفاتحة ثلاثة أشياء:
أولها:السبب الباعث على كتابة هذه المقدمة ، وردَّهُ إلى شيئين:
ـ أولهما: سؤال بعض إخوانِهِ لهُ ، أن يكتب لهم قواعد كلية في تفسير كتاب الله ـ عز وجل ـ وما يتبعه .
…… ـ وأما الثاني: فهو الحاجة الماسة إِلى فهم وتدبر كتاب الله
ـ عز وجل ـ .
…إِلى الأول أشار ـ يرحمه الله ـ بقوله: (فقد سألني بعض الإِخوان أَن أكتب … الخ) .
…وإلى الثاني أشار بقوله ـ يرحمه الله ـ: (وحاجة الأُمة ماسة إِلى فهم القرآن ، الذي هو حبل الله المتين … الخ) .
وثانيها: هو أن هذه المقدمة مُتَّسِمَةٌ بِسِمَتَين:
…ـ أما السِّمَة الأولى: فهي أنها مختصرة ، ليس فيها إِطنابٌ
ولا تطويل .
وكان الاختصار عند كثيرٍ من الناس محبذًا لعلتين:
……ـ أما العلة الأولى: فلكون ذلك تميل إليه الطباع السليمة ، والجبلات المستقيمة . ولذلك قال العربي: خير الكلام ما قلَّ ودلَّ ، وكان العرب يتبارون في دُور الخطابة وأسواقِها ، بتقليل الكلام واختزاله ، مع جمعيته لمعانٍ كثيرات.
……ـ وأما العلة الثانية: فهي أن الاختصار مدعاةٌ إلى حفظ الشيء
وتفهمه أكثر .
…ولذلك كانت الرسائل من شخص لآخر مُختزلةً مختصرةً في الجملة.