…وأما الثاني: فهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن شيئين:
……أولهما: المجمل ؛ ففسره .
……وأما الثاني: فالمستشكل ؛ فبينه .
…والقول الثاني هو الذي قطع به الجمهور والأكثر ، كما قاله السيوطي في:"الإتقان"، وكذلك البقاعي في مواضع من تفسيره:"نظم الدرر في تناسب الآي والسُّوَر"، وجماعة .
وفيه دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما اقتصر على بيان ما يَرِدُهُ السؤال عنه، والعادة أنه يُسأل عن المجملات ؛ لِتُفَصَّل ، وعن المستشكلات ، لِتُبيَّن .
…وهذا القول يدل عليه دلالتان:
…أما الأولى: فقول الله عز وجل: { لتُبين للناس ما نُزِّلَ إِليهم } ، حيث فسره مجاهد كما جاء عند:"الطبري"وغيره بأنه: (بيانٌ لما أُجمل واستشكل) ، فرجع البيان حينئذٍ إلى شيئين: إِلى المستشكل ، وإِلى المجمل .
…وأما الثانية: فاتفاق الفقهاء والمفسرين على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يُبيِّن أحرف القرآن وكلماته ، وقد حكى الاتفاق في ذلك جماعة ، ومن أولئك: بدر الدين الزركشي في:"البرهان"، وكذلك القرطبي في:"تفسيره"، في آخرين .
…وعليه فإِطلاق شيخ الإسلام ابن تيمية ـ يرحمه الله ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن لأَصحابه معاني القرآن ؛ إِنما عنى به المعنى السابق ، من مجملٍ يُفَسَّر ويُفَصَّل ، ومن مُسْتَشْكَلٍ يُبيَّن ويُحَل .
…ويدل على أنه عنى ذلك الإطلاق دلالتان:
…أما الأولى: فالاتفاق المحكي . وسبق ، والعادة عدم مخالفة الإِمام للاتفاقات والإجماعات المحكية .
…وأما الثانية: فهو أن شيخ الإسلام ـ يرحمه الله ـ قد بيَّن في آخر هذه المقدمة أن الرأي في كتاب الله سبحانه وتعالى نوعان:
…رأي مذموم ، ورأي محمود ، فدلَّ على أن كتاب الله ليس مبينًا في كل كلماته وجُملِهِ ؛ وإِلا لما كان ثمةَ مكان للرأي المحمود.