الصفحة 2 من 340

وهذا السؤال وجيه حقًا؛فقد كان الناس في القرون الغابرة,يعيشون في عوالم وعصور مختلفة؛فالعصور الوسطى-على سبيل المثال- تمثل حقبة زاهية بالنسبة إلى المسلمين؛لكنها بالنسبة إلى أوروبا,فقد كانت عصور الظلام وتخلف هائل.وقد كان ذلك هو الشيء الطبيعي,فصعوبة المواصلات والاتصالات,وقلة البعثات العلمية الجوالة بين الأمم,وقلة السلع التي يتبادلها التجار,وتقارب مستويات العيش بين الشعوب المختلفة

-كذلك التقارب الذي كان في الأسلحة وأدوات القتال- كل تلك العوامل ,وعوامل أخرى لم توفّر إمكانات جيدة,ولا مغريات قوية لجعل أمم الأرض تتزامن في أفكارها ونظمها وأساليب عيشها....

لكن النصف الأخير من هذا القرن,قد شهد انقلابًا خطيرًا في كل شيء, وكان أشد تطوراته خطورة

ما يسمى اليوم بثورة الاتصالات والمواصلات؛ حيث يشاهد الناس في أقصى المشرق الآن الحدثَ أثناء

وقوعه في أقصى المغرب,بل إن من المألوف اليوم أن يتلقف أهل مدينة في قُطْرٍ ما أخبار ما يحدث في

بعض أحياء مدينتهم عن وكالات أنباء,ومصادر معلوماتية,تبعد عنهم آلاف الأميال (1) [ (1) أثناء حرب الخليج الثانية كان سكان الكويت يسألون أبناءهم في (أمريكا) عما يحدث داخل بلادهم!]

لا نعني بما نقوله أن البشر صاروا عجينة واحدة,مصبوبة في قالب واحد, فهذا غير ممكن لأنه مُنافٍ لسنّة الاختلاف التي بثها الله-تعالى- في هذا الكون:

)ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذالك خلقهم) [هود:118-119]

ولكن المقصود أن فكرة وجود عالم أول وثان وثالث التي هيمنت مدة طويلة في الزمن,لم تعد موجودة الآن ,فعلى الأرض اليوم عام واحد فقط؛وإطلاق كلمات مثل (العالم الإسلامي) و (العالم الغربي) لا يُراد منه سوى التمييز بين بقع وأماكن جغرافية وسوى الدلالة على تباين عَقَدي ومصلحي.

ولا نعني-بالطبع- بواحدية العالم أننا نعيش عصرًا واحدًا في النظم السياسية ومستويات العيش؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت