الصفحة 12 من 340

ولما كان غزو الدول الأخرى ونهب خيراتها,يتناقض مع قيم الحرية والديمقراطية,ومجمل القيم التي بُنيت عليها فكرة الرقي البشري-فإن الغرب كان بحاجةٍ إلى تسويغٍ لأعماله تلك,وانبثق عن تلك الحاجة نزعة عميقة,تقول بتفاضلية الثقافات والمجتمعات والحضارات والأديان,وآلت تلك المقولة إلى نظرية (العقليات) التي ظلّت وكأنها القول الفصل إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية,وأصبح من المسلَّم به أن البشرية في تطورها التاريخي ومسيرتها الكونية نحو الحضارة,أصناف وأقسام متباعدة,وأن الحضارة الغربية تمثل خلاصة التطور الكوني المطلق,بيد أن المجموعات الأخرى,ما تزال (بدائية) تعيش طور التوحش والهمجية وشتى أوجه الانحلال والجهل والفقر والبؤس والتخلف000

لا أريد هنا أن أصوَّر الغرب على أنه مجموعة من الشرور,وأن جميع قيمه بالية,لا حاجة لأحد من الناس في شيء منها؛فهذا مخالف للواقع,ومخالف لخُلُق الإنصاف الذي أُمرنا له؛ولكني أود أن نفهم الأمور على ما هي عليه مفرَّقين بين الوجه والقناع,والقول والفعل0كما أود ألا يؤدي الوعي بالآخر إلى احتقار الذات,والصيرورة إلى العدمية والتشاؤمية000وإنما إلى تقديم ما لدينا,واكتشاف إيجابياته وسلبياته,والاستفادة من التجربة الحضارية العالمية,دون تجاهل للخصوصيات,ودون خلط بين التجديد الحضاري والتبعية للآخرين000

إننا نؤمن بتلاقي الحضارات وتلاقح الثقافات,ووجود مساحات واسعة للتعاون العالمي,كما نؤمن بالتسامح مع المخالفين,ولكن بشرط ألا يقابل تسامحنا بإنكار المخالف بحق الاختلاف والنَّدَّية الاعتبارية,والإصرار على الابتزاز الثقافي؛وإلا فإن الموقف اللائق بنا آنذاك هو رفض الاحتواء والتبعية,وليس الانفتاح والتسامح0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت