أما الحروب البحرية فتجري في ميدان واسع غير محدد في البحار التي لا تمتد إليها سيادة أحد من المحاربين فتتقاتل سفن المحاربين أينما التقت فيه وتحاول أيضًا منع التجارة عن العدو وتستولي على أموال أفراده في البحار.
والغرض من الحروب البحرية التوصل إلى السيادة على البحار، فإذا ما تمت السيادة البحرية لأحد المحاربين فإنه يستعين بها على قطع تجارة العدو ليخنقه اقتصاديًا ولا يتم هذا الخنق إلا بضبط السفن والبضائع المملوكة لأفراد الأعداء وللمحايدين إذا كانت موجهة من قبلهم إلى بلاد العدو.
فحق الاغتنام إذن هو أداة الحرب الاقتصادية، وإنما هذا الحق غير مطلق بل مقيد بالتشريعات الأهلية في كل دولة وبأحكام المعاهدات سواء الثنائية أو الجماعية وبالعرف المطرد في القانون الدولي، ثم هو يخضع لتقدير محاكم الغنائم في استعماله طبقًا للقواعد المقررة في شأنه.
وأهم المعاهدات الدولية تصريح مؤتمر باريس في 16/ 4/ 1856 بين إنجلترا وفرنسا وبروسيا والنمسا وروسيا وتركيا وسردينيا ثم اتفاقات مؤتمر لاهاي الثاني في سنة 1907 ثم تصريح مؤتمر لوندرة في سنة 1909.
أما تصريح باريس فجاء بعد حرب القرم وحرم القرصنة وقرر قاعدتين أساسيتين: الأولى: أن الراية المحايدة تحمى أموال الأعداء.
والثانية: أن أموال المحايدين لا تضبط على مراكب الأعداء.
أما مؤتمر لاهاي الثاني في سنة 1907 فقد تمخض عن عدة اتفاقات خاصة بالحرب البحرية منها الاتفاق السادس الخاص بحالة السفن عند بدء حالة الحرب والسابع الخاص بتحويل السفن التجارية إلى سفن حربية والحادي عشر الخاص بفرض قيود على حق الاغتنام والثالث عشر الخاص بحقوق المحايدين مراعاة لحرمة البريد وحرمة الصيد الساحلي والتجارة الصغيرة الساحلية وحرمة المراكب التي تقوم بخدمة إنسانية أو علمية أو دينية، ثم الثاني عشر الخاص بمشروع إنشاء محكمة غنائم دولية.
ولما كان إنشاء محكمة غنائم دولية يستلزم تقنين قواعد الغنائم لاختلاف أحكامها في بعض الدول - فقد تقرر في هذا الاتفاق عقد مؤتمر لجمع وتقنين هذه الأحكام، ولهذا الغرض عقد مؤتمر لوندرة في 12/ 12/ 1908 الذي أسفر عن تقنين قواعد الغنائم لتكون واحدة في كل الدول وانتهى بوضعها في صيغة قواعد عامة عرفت باسم تصريح لوندرة في (71 مادة) جمعت جميع قواعد الغنائم.
فلأول مرة في التاريخ وضع قانون يكاد يكون شاملًا جامعًا لكل أحكام الغنائم ولم يتم ذلك بسهولة لنضارب القواعد والنظريات المعمول بها في البلاد الإنجليزية - إنجلترا وأمريكا - وبلاد قارة أوروبا.
وقد كان التوفيق بينهما عسيرًا واستلزم تنازلًا من كل فريق عن التمسك ببعض القواعد والنظريات المتبعة في محاكم بلده فجاء جامعًا لنظريات متعارضة يرقع بعضها مع بعض.
فلذلك رفض مجلس اللوردات في إنجلترا التصديق عليه ولم تصادق عليه بقية الدول، لكنه بقي تقنينًا جامعًا لأحكام الغنائم في القانون الدولي حتى إذا جاءت حرب سنة 1914 فوجدت إنجلترا أنها في صف فرنسا وروسيا في الحرب ويحسن أن يتبعوا معًا قواعد موحدة في شأن الغنائم فلذلك وبناءً على طلب حكومة الولايات المتحدة اتفقوا فيما بينهم على العمل معًا بالقواعد الواردة فيه.
ومع ذلك أظهرت تجارب الحرب - على ما سنوضحه بعد - عدم إمكان اتباع أحكامه جملة فلم تمضِ أسابيع حتى تقرر عدم اتباع بعضها ولم تمضِ أشهر حتى تقرر عدم اتباع بعض أحكام أخرى، وأخيرًا تقرر العدول عنه صراحة بالاتفاق بين إنجلترا وفرنسا في 7 يولية سنة 1916 بديكريتو فرنسي ومرسوم ملكي إنجليزي وكان سبب ذلك عدم احترام ألمانيا لأحكامه خصوصًا فيما يتعلق بحرب الغواصات وإغراق الغنائم، فعادت محاكم الغنائم إلى القواعد المتبعة في كل دولة من قبل صدور هذا التصريح.
قواعد الغنائم
تنقسم الأموال التي يجوز اغتنامها إلى:
1 -أموال العدو.
2 -أموال المحايدين.
وهناك حالة ثالثة تغتنم فيها السفن والبضائع بصرف النظر عن البحث في ملكيتها ووجهتها وهي حالة اختراق الحصر البحري وتلك حالة بسيطة واضحة الأحكام لم تنشأ في حرب فلسطين، وقد قضى عليها في الحروب الحديثة بسبب اختراع الألغام والغواصات والطائرات فلم يترتب عليها أحكام في الحرب العالمية الثانية والأولى إلا في السنتين الأوليتين فيها.
1 -أموال العدو:
القاعدة أن أموال العدو بواخر وبضائع يجوز اغتنامها.
لكن من هو العدو؟ هل هو من يكون من رعايا الدولة المحاربة فقط بحسب جنسيته؟ أينما كان مقيمًا، ولو أقام في بلد محايد، أم هو الشخص المقيم في دولة محاربة ولو لم يكن من رعاياها ولو كان محايدًا أو من رعايا الدولة الغانمة؟