الصفحة 15 من 279

صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي فَمَا أَنْتَ وَرَجُلٌ بِالْأَنْدَلُسِ مِنْهُ إلَّا سَوَاءٌ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ { قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى , اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ } يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا . قَالَتْ عَائِشَةُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزَ قَبْرَهُ , وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا , فَهُمْ دَفَنُوهُ فِي حُجْرَةِ عَائِشَةَ بِخِلَافِ مَا اعْتَادُوهُ مِنْ الدَّفْنِ فِي الصَّحْرَاءِ لِئَلَّا يُصَلِّيَ أَحَدٌ عَلَى قَبْرِهِ وَيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا فَيُتَّخَذَ قَبْرُهُ وَثَنًا , وَكَانَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَمَّا كَانَتْ الْحُجْرَةُ النَّبَوِيَّةُ مُنْفَصِلَةً عَنْ الْمَسْجِدِ إلَى زَمَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ عِنْدَهُ لَا لِصَلَاةٍ هُنَاكَ وَلَا لِتَمَسُّحٍ بِالْقَبْرِ وَلَا دُعَاءٍ هُنَاكَ , بَلْ هَذَا جَمِيعُهُ إنَّمَا يَفْعَلُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ , وَكَانَ السَّلَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْهِ أَوْ أَرَادُوا الدُّعَاءَ دَعَوْا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ وَلَمْ يَسْتَقْبِلُوا الْقَبْرَ . وَأَمَّا وَقْتُ السَّلَامِ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ أَيْضًا وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ , وَقَالَ أَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ بَلْ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ السَّلَامِ خَاصَّةً , وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ إنَّهُ يَسْتَقْبِلُ الْقَبْرَ عِنْدَ الدُّعَاءِ إلَّا حِكَايَةً مَكْذُوبَةً تُرْوَى عَنْ مَالِكٍ , وَمَذْهَبُهُ بِخِلَافِهَا . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا يُقَبِّلُهُ , وَهَذَا كُلُّهُ مُحَافَظَةٌ عَلَى التَّوْحِيدِ , فَإِنَّ مِنْ أُصُولِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ اتِّخَاذُ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ , كَمَا قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فِي قوله تعالى: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } قَالُوا: هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ فِي قَوْمِ نُوحٍ , فَلَمَّا مَاتُوا عَكَفُوا عَلَى قُبُورِهِمْ , ثُمَّ صَوَّرُوا عَلَى صُوَرِهِمْ تَمَاثِيلَ , ثُمَّ طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَدُ فَعَبَدُوهَا . وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ , وَذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ فِي التَّفْسِيرِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ , وَذَكَرَهُ وَثِيمَةُ وَغَيْرُهُ فِي قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ . وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى أُصُولِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَأَوَّلُ مَنْ وَضَعَ الْأَحَادِيثَ فِي السَّفَرِ لِزِيَارَةِ الْمَشَاهِدَ الَّتِي عَلَى قُبُورِهِمْ أَهْلُ الْبِدَعِ الرَّافِضَةُ وَنَحْوُهُمْ الَّذِينَ يُعَطِّلُونَ الْمَسَاجِدَ , وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ , يَدَعُونَ بُيُوتَ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ , وَيُعْبَدَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاهِدَ الَّتِي يُشْرَكُ فِيهَا وَيُكْذَبُ فِيهَا , وَيُبْتَدَعُ فِيهَا دِينٌ لَمْ يُنَزِّلْ اللَّهُ بِهِ سُلْطَانًا , فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ إنَّمَا فِيهِمْ ذِكْرُ الْمَسَاجِدِ دُونَ الْمَشَاهِدِ , كَمَا قَالَ: { قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ } وَقَالَ: { إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وَقَالَ تَعَالَى: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا } . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ { إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ , أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

لا بد من مناقشة رأي شيخ الإسلام ابن تيمة

وفي التاج والإكليل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت