الصفحة 11 من 279

1053 - 29 مَسْأَلَةٌ: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ: { إنَّكُمْ تَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ } وَهَذِهِ صِفَةُ الْمُصَلِّينَ , فَبِمَ يُعْرَفُ غَيْرُهُمْ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ التَّارِكِينَ وَالصِّبْيَانِ . وَهَلْ الْأَفْضَلُ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ أَوْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَوْ بِثَغْرٍ مِنْ الثُّغُورِ لِأَجْلِ الْغَزْوِ , وَفِيمَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي , وَمَنْ زَارَ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } "وَهَلْ زِيَارَةُ النَّبِيِّ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ أَمْ لَا ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ . وَالْجَوَابُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ , هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يُعْرَفُ مَنْ كَانَ أَغَرَّ مُحْجَلًا , وَهُمْ الَّذِينَ يَتَوَضَّئُونَ لِلصَّلَاةِ , وَأَمَّا الْأَطْفَالُ فَهُمْ تَبَعٌ لِلرِّجَالِ , وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ قَطُّ وَلَمْ يُصَلِّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَالْمُرَابَطَةُ بِالثُّغُورِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ عَامَّةً , بَلْ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُجَاوَرَةِ , فَكَرِهَهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتَحَبَّهَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا , وَلَكِنَّ الْمُرَابَطَةَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ , وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ السَّلَفِ , حَتَّى قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه لَأَنْ أُرَابِطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ . وَذَلِكَ أَنَّ الرِّبَاطَ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ , وَجِنْسَ الْجِهَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى جِنْسِ الْحَجِّ , كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: عَنْ النَّبِيِّ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ , قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ } وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ , الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ } إلَى قَوْلِهِ: { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } . وَأَمَّا قَوْلُهُ { مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي } فَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِيمَا قِيلَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ , وَلِهَذَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْضُوعَاتِ . وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهَا مِنْ كُتُبِ الصِّحَاحِ , وَالسُّنَنِ , وَالْمَسَانِيدِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ: قَوْلُهُ { مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي } فَهَذَا لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ , بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَمَعْنَاهُ مُخَالِفٌ الْإِجْمَاعَ فَإِنَّ جَفَاءَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْكَبَائِرِ , بَلْ هُوَ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ , بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْنَا مِنْ أَهْلِينَا وَأَمْوَالِنَا كَمَا قَالَ: { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ , وَوَلَدِهِ , وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . وَأَمَّا زِيَارَتُهُ فَلَيْسَتْ وَاجِبَةً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ , بَلْ لَيْسَ فِيهَا أَمْرٌ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ , وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الْمَوْجُودُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيمُ فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . وَأَكْثَرُ مَا اعْتَمَدَهُ الْعُلَمَاءُ فِي الزِّيَارَةِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد: { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ } وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنْ يُقَالَ: زُرْت قَبْرَ النَّبِيِّ . وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ: كَابْنِ عُمَرَ , وَأَنَسٍ , وَغَيْرِهِمَا , يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَعَلَى صَاحِبَيْهِ , كَمَا فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت