الصفحة 10 من 279

كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ , وَعَلَى صَاحِبَيْهِ , ثُمَّ يَذْهَبُونَ . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ , السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ , السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَتَاهُ , ثُمَّ يَنْصَرِفُ . وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ , وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ , وَنَصَّ أَبُو يُوسُفَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ بِمَخْلُوقٍ , لَا النَّبِيِّ , وَلَا الْمَلَائِكَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ . وَقَدْ أَصَابَ الْمُسْلِمِينَ جَدْبٌ وَشِدَّةٌ , وَكَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ , وَيَسْتَسْقُونَ وَيَدْعُونَ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَسْتَنْصِرُونَ , وَيَتَوَسَّلُونَ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ , كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { وَهَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إلَّا بِضُعَفَائِكُمْ: بِدُعَائِهِمْ , وَصَلَاتِهِمْ , وَإِخْلَاصِهِمْ } . وَلَمْ يَكُونُوا يَقْصِدُونَ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا صَالِحٍ , وَلَا الصَّلَاةَ عِنْدَهُ , وَلَا طَلَبَ الْحَوَائِجِ مِنْهُ , وَلَا الْأَقْسَامَ عَلَى اللَّهِ بِهِ , مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ , وَفُلَانٍ: بَلْ كُلُّ هَذَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ . وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: { خَيْرُ الْقُرُونِ الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ } . وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْرُ طِبَاقِ الْأُمَّةِ .

فَصْلٌ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ ضَعِيفٌ , وَلَيْسَ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَا صَحِيحٌ , وَلَا رَوَى أَهْلُ السُّنَنِ الْمَعْرُوفَةِ , كَسُنَنِ أَبِي دَاوُد , وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ , وَالتِّرْمِذِيِّ , وَلَا أَهْلُ الْمَسَانِيدِ الْمَعْرُوفَةِ , كَمُسْنَدِ أَحْمَدَ , وَنَحْوِهِ , وَلَا أَهْلُ الْمُصَنَّفَاتِ كَمُوَطَّأِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا . بَلْ عَامَّةُ مَا يُرْوَى فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ مَوْضُوعَةٌ . كَمَا يُرْوَى عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } وَهَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ , كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَكَذَلِكَ مَا يُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: { مَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي , فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي , وَمَنْ زَارَنِي بَعْدَ مَمَاتِي ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ } لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَصْلٌ , وَإِنْ كَانَ قَدْ رَوَى بَعْضَ ذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ , وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ , فَمَدَارُ ذَلِكَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ . أَوْ مَنْ هُوَ أَضْعَفُ مِنْهُ , مِمَّنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِرِوَايَتِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ . وَإِنَّمَا اعْتَمَدَ الْأَئِمَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { مَا مِنْ رَجُلٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي , حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ } وَكَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: { إنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِقَبْرِي مَلَائِكَةً تُبَلِّغُنِي عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ } فَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ مِمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ , فَلِهَذَا اسْتَحَبَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت