الصفحة 20 من 233

بهذه الصراحة وهذا الوضوح ألغت أميركا الدور التمثيلي الذي كانت أوروبا تحب أن تقوم به للظهور بمظهر الشريك لأميركا في السياسة الدولية. رغم أن حقيقة الأمر لم يكن أحدًا من الساسة الأوروبيين يصدق أنه شريك فعلي للولايات المتحدة في السياسة الدولية. قد يتساءل القارئ الوقور؛ إذا كانت أميركا مجرد تستغل أوروبا فلماذا ألغت هذا الدور الذي كان يساعدها كثيرًا؟ وفوائده وحسناته لأميركا متعددة وكبيرة، بينما إلغاء هذا الدور يضر ويسيء لأميركا. الجواب بتفصيله كبير وفي موضوعه خطير جدا لا يستطيع فرد تحمل أعبائه الفكرية والموضوعية والمعنوية. لكن في تبسيط القول نقول إن أوروبا بدأت تتململ من تبعيتها المطلقة وهي في حيرةٍ، تريد دورًا ليس عندها خطة له. كما أن أميركا بعد أن استطاعت الانفلات من موازين القوى الدولية تريد المشي برجليها، لم تعد بحاجة إلى عكازات.

أوروبا قارةً، دولها عكازات أميركية ليس لأن حكومات هذه الدول تريد ذلك، وليس لأن الشعوب ترضى بذلك، لأنه لا يوجد عند السياسيين والمفكرين رؤية في دور. أميركا تدرك ذلك. تتلاعب بهم بتغيير فكر الرؤيةِ حتى يقنعوا أنهم شركاؤها في رؤيتها. تلاعب أميركا بفكر الرؤية لدور الأمة الفرنسي، الجرمانية، الإيطالية وغيرها في دوامةٍ كمن يدور حولَ نفسه لا يرى شيئًا بل لا يستطيع نظره أن يثبت على شيء. دوامة العقل، أو عمل العقل في دوامة بمعنى أن يكون في دورانٍ أخطر من دوامة الجسد في دورانه. دوران العقل يكون عندما لا يستطيع الإمساكَ بفكر الرؤية. عندها يفقد المرء والمجتمع والدولة سلاحَ قوة الرؤية الذي هو أقوى أسلحة الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت