وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعَيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: (إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًَا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ) ، قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ فِي هَذَا الخَبَرِ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ مَا أَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَهُ نَقْلَةً، قَالَ: إِنْ كُنْتَ وَلَا بُدَّ فَاعِلًَا ... إِذًَا الأَصْلُ فِي ذَلِكَ المَنْعُ، وَلَكِنْ إِذَا أَبَى إِلَّا أَنْ يُصَوِّرَ فَعَلَيْهِ بِالشَّجَرِ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ مُضَاهَاةً وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ لَا يُؤَدِّي إِلَى العِبَادَةِ، وَنَسْتَفِيدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَائِدَةً حِينَ قَالَ: فَعَلَيْكَ بِالشَّجَرِ، وَالشَّجَرُ خَلْقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِ الله، وَكَائِنٌ حَيٌّ يُسَبِّحُ لله جَلَّ وَعَلَا، فَكَانَ هَذَا دَلِيلًَا عَلَى أَنَّ المَنْعَ مِنْ تَصْوِيرِ الآدَمِيِّ لِأُمُورٍ أُخْرَى لَيْسَ لِمُجَرَّدِ المُضَاهَاةِ فَحَسْبْ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الأَصْلَ فِي التَصْوِيرِ التَحْرِيمُ مُطْلَقًَا سَوَاءً كَانَ عَبْرَ الفِيدْيُو، أَوْ عَبْرَ الكَامِيرَا، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، إَلَّا مَا اسْتُثْنِيَ بِدَلِيلِ الحََاجَةِ أَوْ ضَرُورَةٍ، وَهَذِهِ لَهَا أَحْكَامٌ وَهَذَا بَابٌ آخَرُ، فَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَنِ الأَصْلِ العَامِّ، وَلَا نَتَكَلَّمُ عَنِ الاسْتِثْنَائِيَّاتِ وَلَا عَوَارِضَ الأَدِلَّةِ، فَإِنَّ الحَاجَةَ تُبِيحُ الحَرَامَ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرٍ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا) ، وَهُنَاكَ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (مَا حَرُمَ لِغَيْرِهِ؛ جَازَ فِعْلُهُ لِلْحَاجَةِ) .
وملخص الفتوى ...
(أَنَّ تَصْوِيرَ ذَوَاتِ الأَرْوَاحِ بِكُلِّ أَنْوَاعِهِ مُحَرَّمٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى العِبَادَةِ وَالتَعْظِيمِ، وَأَنَّهُ إِذَا انْتَفَتْ عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ فَلَا تَنْتَفِي العِلَلُ الأُخْرَى، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الصُّوَرِ، سَوَاءً كَانَتْ لِشَخْصِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إِتْلَافَهَا، وَلَا يَسْتَبْقِ شَيْئًَا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًَا فِيهِ صُورَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ) .
سليمان بن ناصر العلوان