سئل فضيلة الشيخ المحدث العلامة سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله
ما هو القول الصحيح في حكم التصوير الفوتوغرافي، و ما تَقولون في اقتناء الصور؟
فَأَجَابَ:
مَسْأَلَةُ التَصْوِيرِ تُعْتَبَرُ مِنَ المَسَائِلِ المُهِمَّةِ لَاسِيَّما فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِرَةِ، وَقَدْ وَقَعَ فِي شَانِهَا خَلْطٌ وَإِفْرَاطٌ وَتَفْرِيطٌ، وَنَحْنُ نُفَصِّلُ القَوْلَ فِي ذَلِكَ مُخْتَصِرِينَ الفَتْوَى وَمُقْتَصِرِينَ عَلَى الفَائِدَةِ لِلْمُسْتَفْتِي، وَلَا أَجْحَدُ أَنَّ المسْأَلَةَ تَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا فَأَقُولُ
وَبِالله التَوْفِيقُ:
جَاءَ فِي البُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ الله المُصَوِّرَ) ، المُصَوَّرُ بِمَنْزِلَةِ المُصَوِّرِ إِذَا رَضِيَ وَتَابَعَ، وَالَّلعْنُ يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الفِعْلَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَأَنَّ مَنْ صَوَّرَ أَوْ رَضِيَ بِتَصْوِيرِهِ فَإِنَّ الوَعِيدَ يَشْمَلُهُ، وَقَدْ أَتَى النَّبِيُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالَّلفْظِ العَامِّ المُسْتَغْرِقِ لِكُلِّ الأَفْرَادِ، فَحَيْثُ يُسَمَّى تَصْوِيرًَا لُغَةً أَوْ عُرْفًَا أَوْ شَرْعًَا فَإِنَّ الوَعِيدَ يَشْمَلُهُ.
وَالتَصْوِيرُ مِنْ خَصَائِصِ الرَّبِ جَلَّ وَعَلَا، وَقَدْ سَمَّى نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ بِالمُصَوِّرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ) الحَشْرِ 24،
فَالمُصَوِّرُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الله تَعَالَى يَخْتَصُ بِهِ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ أَحَدٌ، فَمَنْ صَوَّرَ فَقَدْ نَازَعَ اللهَ فِي أَسْمَائِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي وَعِيدِ المُصَوِّرِينَ مَا لَمْ يَاتِ مِنْ الوَعِيدِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ.
وَالتَصْوِيرُ هُوَ سَبَبُ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي قَوْمِ نُوحٍ، فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًَّا وَلَا سُوَاعًَا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًَا) نُوحٍ 23، قَالَ: (هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ فِيهَا أَنْصَابًَا، وَسَمُّوهَا بَأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا وَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَنُسِخَ العِلْمُ عُبِدَتْ) .
وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى أَنَّ تَحْرِيمَ التَصْوِيرِ لَا يُحْصَرُ بِالُمضَاهَاةِ، وَالَّذِينَ يُفْتُونَ بِأَنَّ التَصْوِيرَ مُحَرَّمٌ لِعِلَّةِ الُمضَاهَاةِ، فَإِذَا انْتَفَتِ الُمضَاهَاةُ جَازَ، هُمْ غَيْرُ مُصِيبِينَ، وَيَحْصُرُونَ الحُكْمَ بِعِلَّةٍ وَاحِدَةٍ دُونَ غَيْرِهَا بِدُونِ دَلِيلٍ.
وَقَدْ حَرُمَ التَّصْوِيرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عِلَّةٍ، وَلَا يَجُوزُ حَصْرُ عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ بِالْمُضَاهَاةِ، فَقَدْ جَاءَ مِنَ الْعِلَلِ:
1 -المُضَاهَاةُ.
2 -أَنَّهُ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الشِّرْكِ.
3 -أَنَّهُ أَذِيَّةٌ لله جَلَّ وَعَلَا، قَالَ تَعَالَى (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) الأَحْزَابِ 57، قَالَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ مِنَ الُمفَسِّرِينَ: إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي المُصَوِّرِينَ، فَسَمَّى اللهُ جَلَّ وَعَلَا التَصْوِيرَ أَذَىً.
4 -أَنَّهُ مُنَازَعَةٌ لاسْمِ الله المُصَوِّرِ.