فهرس الكتاب

الصفحة 443 من 737

أحْرَقْتَ بالمَنِّ قلبي ... واحَرَّ قلباهُ ممَّنْ

وأما: محمد فإليه الحديث يساق، ويخجل خبره العقد في تناسبٍ واتساق.

فهو ممن اشتهر وبهر، وأضحى روضةً أطلت على نهر.

وله القلم البابلي السحار، والكلم التي عطرت نسائم الأسحار.

وقد ذكرت له ما تتنادم الألسن على ذكر مزاياه، وتستنشق الأرواح المسك الداري من عرف رياه.

فمنه ما كتبه إلى الأديب حسين بن علي الوادي، وهو إذ ذاك بصنعا:

السُّحْبُ أرْخَى أدمُعا لا يُفيقْ ... وألْبَس الأغصانَ ثوبًا أنِيقْ

ودبَّجَ الأرضَ فمِن أخصرٍ ... أو أصفرٍ أو أحمرٍ كالعَقِيقْ

وكلَّما مرَّتْ بنا نَفْحةٌ ... أهدتْ من الأزهارِ مِسْكًا سَحِيقْ

روَتْ حديثًا عادَ دمعِي له ... مُسَلْسَلًا بالوُدِّ لا يسْتقِيقْ

أن الرّبَى قد كُلِّلتْ بالنَّدَى ... وانْتظَم المَنْثورُ بين الشَّقِيقْ

يا أيُّها الوادِي الذي نَشْرُه ... قد ملأ الأرجاءَ نَشْرًا فَتِيقْ

بُعْدُك عنِّي والوفاءُ شِيمَتِي ... مَالي إلى السُّلْوانِ عنه طرِيقْ

فأجابه الحسين بقوله:

إن الذي صيَّرني حُبُّه ... دمعًا جرِيحًا وفؤادًا رَقِيقْ

لا يكْتفي عن مُهْجتِي بالغضَا ... ولا عن العيْن بسفْحِ العَقِيقْ

واحرَّ قَلْباه ومن نافعِي ... منه إذا يجْرح قلبي الحرِيقْ

من قمرٍ يفْعل بالعقل مَرْآ ... هُ ولا فعلَ سُلافِ الرَّحِيقْ

مُكَوْثَرُ الرِّيقةِ كم لي دَمٍ ... ومدْمعٍ في حبِّه قد أُرِيقْ

مالي عن عشْقتهِ سَلْوةٌ ... ولا أرَى السُّلوانَ عنه يليقْ

إلاَّ حديثًا في جُمانِ الهدى ... كأنما حُلَّ بمِسْكٍ سَحِيقْ

وهي طويلة.

ومن شعره فما كتبه إليه أيضًا:

قُم يا رسولِي نحوَ دارِ الحسينْ ... وقُل له الوعْدُ شَبِيهٌ بدَيْنْ

لا زلتَ تُدْلِي لي حبالَ المُنَى ... بوَقْفةٍ والأمرُ في ذاك هَيْنْ

وأيُّ يومٍ نلْتقي لم تقُلْ ... غدًا نُوافِيكم وما ذاك مَيْنْ

فأرقُب السَّاعاتِ حتى مضَى ... ميعادُكم وأستخلِفُ الحَسْرتيْنْ

يا ابنَ عليٍ أنت أطْرَبَتْنِي ... ولم أنلْ منك سوَى وَقْفتيْنْ

للهِ وادِيكَ وما حازَهُ ... من نغمتٍ من كِلا الجانبيْنْ

بُلْبُلُه بَلْبَلَ بالِي فلَم ... أزلْ أُراعِي في الدجَى الخافقيْنْ

فأجابه بأبيات، منها:

ذكرتَ أن الوعدَ ديْنٌ نعمْ ... الوعدُ عند الحرِّ لا شكَّ دَيْنْ

وكيف يخفَى فيكم سائِلي ... وسائِلي قد مَلأَ الخافقيْنْ

فهل سألتَ الرَّبْعَ عن وَقْفةٍ ... وقفْتُها فيه بلا وقْفتيْنْ

وقلت للوادي هل جاءنا الْ ... وادي وفَيْناه فما الأمرُ هَيْنْ

إن كان ذا مَطْلًا فنفسِي لَهُ ... صبرٌ جميلٌ يقبل الحالتيْنْ

ومن جيد شعره قوله:

قِفا حَدِّثا عن لَوْعتِي وغرامِي ... ففي القلب نارٌ أُجِّجَتْ بِضرامِ

وعنِّي خُذَا الأشواقَ والوجدَ والهوى ... فليس دَعِيٌّ في الهوى كإمامِ

وفي الجِزْعِ حَيٌّ كلَّما شاق ذكرَهم ... نسِيمُ اشْتياقٍ لا يلَذُّ مَنامِي

جفَوا مُغرمًا لم يُثْنِه عن هواهمُ ... سُلُوٌّ ولا أرْواهُ شُرْبُ مُدامِ

ولا لَحْنُ شادٍ مَعْبَدِيٍ غناؤُه ... يُرجِّع ألْحانًا كسَجْعِ حمامِ

إذا سَلْوة رامتْ إلى القلب مَسْلَكًا ... يقول لها الوجدُ ارْجعي بسلامِ

وله في صنعاء:

أرى المدائنَ شَوْها كلَّما ذُكِرتْ ... صنعاءُ والبابُ منها بابُ سيرانِ

ما حلَّ فيها امْرُؤٌ إلاَّ وعايَنَها ... جَنَّاتِ عَدْنٍ عليها حُور رِضْوانِ

وذيل عليهما صنوه السيد الحسن فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت