الصفحة 9 من 35

ذكر الماوردي رحمه الله بأنه ماتم التأليف في كتب الحسبة إلا لما أُبعد العلماء عن مباشرتها فقال: ولمّا كانت الحسبة من قواعد الأمور الدينية ، فقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم لعموم صلاحها وجزيل ثوابها ، ولكن لما أعرض السلطان عنها وندب لها من هان وصارت عرضة للتكسب وقبول الرشا لان أمرها ، وهان على الناس خطرها (1) ، ولذا فإن أغلب الأخطاء التي تحدث في هذا المجال إنما تحدث لقيام غير المؤهلين بهذه الشعيرة العظيمة فكان مايفسدون أكثر مما يُصلحون ، فيجب على من ندب نفسه للقيام بهذه الشعيرة أن يتفقه قواعد وضوابط هذه الشعيرة ويتعلمها كما يتعلم أحكام الدين المتعلقة بمسائل العبادات الأخرى ، وهذا الأمر ينبغي أن لايفوت على من امتهن وظيفة الحسبة فتعامله مع الناس لاينضبط بما لديه من سلطة فقط ، ولكن يجب مراعاته لأحوال الناس وزمانهم ، فعن الأسود بن يزيد أن ابن الزبير رضي الله عنه قال له: حدثني بما كانت تفضي إليك أم المؤمنين يعني عائشة رضي الله عنها ؟ فقال:"حدثتني أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال لها: لولا أن قومك حديثوا عهد بالجاهلية لهدمت الكعبة وجعلت لها بابين" (2) فتأمل كيف راعى النبي صلى الله عليه وسلم حال الناس وحداثة عهدهم بالدين وهو صاحب السلطة الأولى فامتنع عن أمر مشروع خوفًا من المفسدة المترتبة عليه فما أحرانا في هذا الزمان الذي رقّ فيه دين الناس أن نراعي هذا الأمر عند احتسابنا .

قدر الله عجيب في نشر الفضيلة

(1) الأحكام السلطانية ص 258-259 للماوردي

(2) صحيح ) _ ابن ماجه 875

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت