الصفحة 8 من 2236

…والفتوى لها أهميتها عند الناس، ومسؤوليتها ضخمة، ولهذا حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أهلها من الخوض فيها، وأخبرنا أن أعظم الناس جرأة على اللّه من أفتى بغير علم، إذ لابدَّ أن يكون المفتي ذا دراية، فاهمًا للسؤال عالمًا بالفتوى عما سُئل، واسع الصدر، لايضيق صدره بجهل السائل أو بإلحاحه أو بتطويله.. فالسائل جاهل يريد أن يفهم، وضال يبحث عن طريق الحق، ومسلم يسأل عن دينه، لذا لجأ لمن يعلم ليسأل عما لايعلم.

…والفتوى في الإسلام قديمة قدم الإسلام، فصحابه النبي صلى الله عليه وسلم ورضي اللّه عنهم كانوا يسألونه ليتعلموا منه ابتداء أمور دينهم، ثم يعلموا من وراءهم، امتثالًا لأمره عليه الصلاة والسلام:"فليبلغ الشاهد منكم الغائب"

ويعني بالغائب من لم يحضر المجلس، أو من لم يولد بعد من أبنائهم، أو من سيأتي في الأجيال القادمة والقرون المستقبلة.

…وبعد انتقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى كان الصحابة رضي اللّه عنهم لايأنفون أن يسأل بعضهم بعضًا، ولا أن يتعلم بعضهم من بعض، ومن الكلام المأثور في هذا المجال كلام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في مجلس القضاء: لولا عليّ لهلك عمر.. وقوله في المسجد النبوي الشريف: حتى النساء أفقه منك ياعمر.

…وجاء عهد التابعين وتابعيهم بإحسان والناس على ذلك يحسن بعضهم الظن ببعض ولا يأبى أن يتعلم البعض من البعض مهما كانت الفروق في السن والمكانة، فقد يجد العلامة حكمًا عند محترف أو صغير فيأتيه يسأله عنه دون غضاضة أو حرج.

…حتى إذا كانت العصور التالية وانشغل الناس فيها بدنياهم عن التعلم وأصبح المال في نظر المجتمع هو الحياة، وشاع الجهل في الناس كان لابدَّ للمسلم من رجل عارف يسأله عن دينه حتى لايقع في الخطأ، ولا يرتكب المحرم ولا يخوض في الباطل، خاصة وأن كل شأن المسلم دين، وأحكام الإسلام لاتفارق المسلم، فهي معه أينما كان حتى في فراشه مع أهله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت