…الثالث: أن يعلم انطباق الحكم على الواقعة المسؤول عنها، بأن يتحقق من وجود مناط الحكم الشرعي الذي تحصّل في الذهن في الواقعة المسؤول عنها لينطبق عليها الحكم، وذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية بخصوصها وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة، تتناول أعدادًا لاتنحصر من الوقائع، ولكل واقعة معيّنة خصوصية ليست في غيرها، وليست الأوصاف التي في الوقائع معتبرة في الحكم كلها، ولاهي طردية كلها بل منها مايعلم اعتباره، ومنها مايعلم عدم اعتباره، وبينهما قسم ثالث متردد بين الطرفين فلاتبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلاَّ وللمفتي فيها نظر سهل أو صعب، حتى يحقق تحت أي دليل تدخل، وهل يوجد مناط الحكم في الواقعةأم لا؟ فإذا حقق وجوده فيها أجراه عليها،
وهذا اجتهاد لابد منه لكل قاض ومفت، ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام على أفعال المكلفين إلاَّ في الذهن، لأنها عمومات ومطلقات، منزّلة على أفعال مطلقة كذلك، والأفعال التي تقع في الوجود لاتقع مطلقة، وإنما تقع معينة مشخّصة، فلا يكون الحكم واقعًا عليها إلاَّ بعد المعرفة بأن هذا المعيّن يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد يكون ذلك سهلًا وقد لايكون وذلك كله اجتهاد.
…ومثال هذا: أن يسأله رجل هل يجب عليه أن ينفق على أبيه؟
…فينظر أولًا في الأدلة الواردة، فيعلم أن الحكم الشرعي أنه يجب على الابن الغني أن ينفق على أبيه الفقير، ويتعرف ثانيًا، حال كل من الأب والابن، ومقدار مايملكه كل منهما، وما عليه من الدين، وما عنده من العيال، إلى غير ذلك مما يظن أن له في الحكم أثرًا، ثم ينظر في حال كل منهما ليحقق وجود مناط الحكم ـ وهوالغنى والفقر ـ فإن الغنى والفقر اللذين علق فيهما الشارع الحكم لكل منهما طرفان وواسطة، فالغني مثلًا له طرق أعلى ثلاثة، فيجتهد المفتي في إدخال الصورة المسؤول عنها في الحكم أو إخراجها بناء على ذلك.