… (ج) …أن موضوع الفتوى هو بيان أحكام اللّه تعالى، وتطبيقها على أفعال الناس، فهي قول على اللّه تعالى أنه يقول للمستفتي: حق عليك أن تفعل، أو حرام عليك أن تفعل، ولذا شبّه القرافي المفتي بالترجمان عن مراد الله تعالى، وجعله ابن القيم بمنزلة الوزير الموقّع عن الملك قال: إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحلّ الذي لاينكر فضله، ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسموات (1) ، نقل النووي: المفتي موقّع عن اللّه تعالى، ونقل عن ابن المنكدر أنه قال: العالم بين اللّه وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم (2) .
تهيُّب الإفتاء والجرأة عليه:
…ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" (3) ، وقد تقدم النقل عن ابن أبي ليلى ترادّ الصحابة للجواب عن المسائل، وقد نقل النووي في حديثه عنهم رواية فيها زيادة:"ما منهم من يحدّث بحديث إلاَّ ودّ أن أخاه كفاه إياه، ولايُستفتى عن شيء إلاَّ ودّ أن أخاه كفاه الفتيا"، ونقل عن سفيان وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا، فالذي ينبغي للعالم أن يكون متهيبًا للإفتاء، لايتجرأ عليه إلاَّ حيث يكون الحكم جليًّا في الكتاب أو السنَّة، أو يكون مجمعًا عليه، أما فيما عدا ذلك مما تعارضت فيه
(1) …إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم 1/10 .
(2) …مقدمة المجموع 1/72، مع تكملة المطيعي وتحقيقه.
(3) …حديث:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار ...."
…أخرجه الدارمي 1/57، من حديث عبيد الله بن أبي جعفر مرسلًا.
الأقوال والوجوه وخفي حكمه، فعليه أن يتثبت ويتريث حتى يتضح له وجه الجواب، فإن لم يتضح له توقف .