الصفحة 3 من 2236

…وثاني هذه العوامل هو أن معظم النصوص جاءت في صورة مبادىء كلية وأحكام عامة، ولم تتعرض للجزئيات إلا فيما كان شأنه الثبات والدوام كشؤون العبادات والأسرة، أما فيما عدا ذلك مما يختلف تطبيقه باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد فكانت النصوص فيه ـ غالبًا ـ عامة ومرنة إلى حد بعيد لئلا يضيِّق الشارع على الناس إذا ألزمهم بصورة جزئية معينة قد تصلح لعصر دون عصر، أو لإقليم دون إقليم، أو لحال دون آخر.

…ويتمثل ثالث عوامل السعة والمرونة في أن معظم النصوص التي تعرضت للأحكام الجزئية والتفصيلية، صاغها الشارع الحكيم صياغة تتسع لأكثر من فهم وأكثر من تفسير، وهذا ساعد ـ مع السببين السابقين ـ على وجود المدارس المتنوعة والمشارب المتعددة في الفقه الإسلامي .

…أما العامل الرابع فيتجلى في أن الشريعة الإسلامية راعت الضرورات والحاجات والأعذار التي تنزل بالناس، فقدّرتها حق قدرها، وشرعت لها أحكامًا استثنائية تناسبها، وفقًا لاتجاهها العام في التيسير على الخلق.

…وأخيرًا يأتي دور العامل الخامس تتميمًا للعوامل السابقة وتطبيقًا لها، فمن المعلوم أن أحكام الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، وإقامة القسط بينهم، وهذا ما ينبغي مراعاته عند تفسير النصوص وتطبيق الأحكام، فلا يجمد الفقيه على موقف واحد دائم يتخذه في الفتوى أو التعليم أو التأليف والتقنين، وإن تغيَّر الزمان والمكان والعرف والحال، بل ينبغي

عليه مراعاة مقاصد الشريعة الكلية وأهدافها العامة عند الحكم في الأمور الجزئية الخاصة.. وهكذا تركت هذه العوامل مجتمعة مجالًا واسعًا أمام العقل الإنساني كي يجتهد ويجدد لمواجهة تطور الحياة ومستجداتها.

[ د.يوسف القرضاوي، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلامية، دار الصحوة للنشر، الطبعة الأولى، 1985] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت