ويكون العضو في هذه الكتلة جزءًا لايتجزأ من كائن حيّ، تجري فيه الدماء نفسها، وتُسيّره الإرادة نفسها. فالحزب تكتل آمن أعضاؤه بمجموعهم بمبدأ واحد يريدون إيجاده في المجتمع، وتبنوا أفكارًا وأحكامًا وآراء واحدة بناءً على قوة الدليل. والعضو إن أدرك وجه التبني وقوة الدليل كان رأي الكتلة رأيه، وإن لم يدرك وجه التبني وقوة الدليل كان رأيُ الكتلة رأيَه أيضًا، لأنه عضوٌ في جسم، وجزءٌ من كلّ، فعليه أن يكون منسجما ومتناغما مع الجسم الذي هو عضوٌ من أعضائه، يقوم بالوظيفة الحيوية التي يتطلبها منه الجسم دون توانٍ أو تقصير.
ج) بناء جسم الكتلة لتصبح حزبا: وذلك بتثقيف من ينضمّ إلى هذه الكتلة ثقافة مركزة، بأفكار المبدأ اللازمة لاستئناف الحياة الإسلامية، تشمل العقيدة الإسلامية، وما ينبثق عنها من أنظمة، تؤهلهم لأن يصبحوا قادة للأمة، وإسلامًا يتحرك في المجتمع، وهو ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة، حيث كان يُعلّم أصحابه ويُثقّفهم بما ينزل عليه من الوحي، حتى كوّن منهم كتلةً صلبة تجسّد بها المبدأ، فكانت هذه الكتلة من خيرة البشر بعد الرسل، شاركوه الصبر على تحمّل الأذى قبل قيام الدولة، ثم شاركوه بناء الدولة في المدينة المنورة، وحملوا معه وبعده الإسلام إلى أنحاء المعمورة.
إنّ الطريقة الصحيحة لتدريس الثقافة المركزة هي التلقي الفكري، فالفكر أو العقل هو أداة التعليم والتعلم، والعقل خاصيةٌ أودعها الله تعالى في الإنسان كرّمه بها وفضّله على كثير من مخلوقاته، وجعل الله العقلَ هو مناطَ التكليف.
وللعقل مكونات أربع: الدماغ الصالح، والإحساس، والواقع، والمعلومات السابقة عن الواقع. والعقل، أو الفكر، أو الإدراك، بمعنى واحد وهو:"نقل الحسّ بالواقع بواسطة الحواس إلى الدماغ ووجود معلومات سابقة يُفسر بواسطتها الواقع"، ثم إصدار الحكم على الواقع.