بعد إدراك واقع الدار التي نعيش فيها، وهي- اليوم - كما بيّن الشرع دار كفر، وبعد معرفة الحياة التي نحياها، وهي - اليوم - حياةٌ غير إسلامية، وهما شرعًا مثل الدار نفسها ومثل الحياة نفسها التي وُجد فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مكة، حين بعثه الله تعالى بالإسلام، رسولًا لقومه وللناس كافة لتغيير ذلك الواقع. بعد هذا الإدراك؛ لا يقال إن ذلك الواقع الذي وُجد فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - مختلف عن الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم في أوائل القرن الحادي العشرين للميلاد، لوجود ملايين المسلمين وتطبيق بعض أحكام الإسلام، لا يقال ذلك، لأن محل التغيير ليس الأفراد، ولا بعض الأحكام، وإنما محل التغيير المطلوب هو الدار والمجتمع والحياة. وقد أدرك الصحابة في مكة هذا الأمر مع وجود المسلمين، فعن خباب بن الأرت قال: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَقُلْنَا أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو لَنَا فَقَالَ قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» رواه البخاري وأبو داود وأحمد. ففي الحديث يستعجل الصحابة النصر وتغيير حياة الخوف التي يحيونها، مع أنهم كانوا مسلمين وملتزمين بما نزل من الوحي، فيردّ عليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم:"والله ليتمنَّ هذا الأمر"، والأمر هنا هو الحياة الآمنة التي يسود