وهو الذى بذل حياته كلها من أجله ، ووفى النهاية يقول له ذلك. ولو أن الأب تركه وهو صغير لما قبل أحد أن يأخذه ليربيه أبدا . إذ أن الولد عبء ثقيل على أى إنسان . والولد لو ضل عن أبيه وتاه عنه لظل الوالدان أو أحدهما يبحث عنه عمره كله وربما مات كمدًا وحزنًا عليه .
? قال الأصمعى:"حدثنى رجلٌ من الأعراب قال: خرجت أطوف بالأحياء ، حتى انتهيتُ إلى شيخٍ في عنقه حبل يستقى بدلو لا تطيقه الإبل في الهاجرة والحر شديد وخلفه شاب في يده رشاء (حبل) من قدٍ (سوط - سير جلد) ملوى يضربه به ، قد شق ظهره بذلك الحبل ، فقلت: أما تتقى الله في هذا الشيخ الضعيف ؟ أما يكفيه ما هو فيه من هذا الحبل حتى تضربه ؟ قال: إنه مع هذا أبى . قلت: فلا جزاك الله خيرًا ."
قال: اسكت فهكذا كان هو يصنع بأبيه . وهكذا يصنع أبوه بجدة. فقلت: هذا أعق الناس"27"
? عتب أمية بن أبى الصلت على ابنه يومًا وقد ضن عليه في الإنفاق بعدما هرم وشاخ فقال له:
غذوتك مولودًا وعُلتك يافعًا
تُعلُ بما أُوتى إليك وتنهلُ
إلى أن قال:
فليتك إذ لم ترع حق أبوتى
فعلت كما الجار المجاور يفعلُ 28
? ذكر الأصمعى قال: أخبرنى بعض العرب أن رجلًا كان في زمن عبد الملك بن مروان يقال له:"مُنازل"وكان له أب كبير يقال له"فَرْعان"وكان الشاب عاقًا لأبيه . فقال الشيخ:
جَزَتْ رحمٌ بينى وبين مُنازل
جزاءً كما سينجز الدين طالبه
ثم ابتُلى (مُنازل) بابن يقال له ( جُليح) عقه في عمره فقال:
تَظَلَّمنى ما لى جُليح وعقنى
على حين كانت كَالجَنِىِ عظامى
فأراد الوالى ضربه ، فقال الابن للوالى: لا تعجل علىّ هذا مُنازل بن فَرْعان الذى يقول فيه أبوه:
جَزَتْ رحمٌ بينى وبين مُنازل
جزاءً كما سينجز الدين طالبه
فقال الوالى: يا هذا عَققت وعُققت"29"
مواقف مشرفة