إنّ هذه السيادة القانونية على الأقلّية المسلمة المعارضة في كثير من محطّاتها لضميرها الديني والتزامها العقدي تمثّل وضعا خاصّا لهذه الأقلّية من بين أوضاع عامّة المسلمين، فالمسلم وضعه الأصلي أن يكون خاضعا لسيادة القانون الإسلامي، والتكاليف الدينية التي كلّف بها إنّما كلّف بها باعتباره يعيش تحت سيادة ذلك القانون، إذ تلك التكاليف هي في أغلبها ذات بعد جماعي كما هي الطبيعة الجماعية للدين الإسلامي، فإذا ما وجد المسلم نفسه ضمن مجموعة من المسلمين هي تلك الأقلّية موضوع البحث، ووجد أنّه ملزم بأن يكون تحت سيادة غير سيادة القانون الإسلامي الذي هو الوضع الطبيعي لتنظيم حياته الجماعية، فإنّه سيجد نفسه لا محالة في تناقض بين واقعه وبين مقتضيات هويّته الجماعية، وهو ما يمثّل ظرفا خاصّا في حياة الأقلّية المسلمة بالبلاد الغربية على وجه الخصوص يقتضي أن يؤخذ بعين الاعتبار في الاجتهاد الفقهي في شؤونها.
ج ـ خصوصية الضغط الثقافي: تعيش الأقلّيات المسلمة في مناخ مجتمع ذي ثقافة مخالفة لثقافتها في الكثير من أوجه الحياة، وهي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع تلك الثقافة في كلّ حين وفي كلّ حال، فمن الإعلام، إلى التعليم، إلى العلاقات الاجتماعية، إلى المعاملات الاجتماعية، إلى المعاملات الاقتصادية والإدارية، إلى المناخ العامّ في الشارع من عادات وتقاليد وتصرّفات فردية واجتماعية، بحيث تطغى تلك الثقافة على أحوال المسلم أينما حلّ، بل تطغى عليه حتى داخل بيته.
وممّا يزيد من سطوة تلك الثقافة على الأقلّية المسلمة أنّ هذه الأقلّية لم تنتظم أمورها الاجتماعية بحيث تكون لها فضاءات خاصّة بها، تسود فيها ثقافتها، فتخفّف بذلك من سطوة الثقافة الغربية عليها، ففي فرنسا يعيش أكثر من خمسة ملايين مسلم، ولكن ليس لهم مدرسة واحدة منتظمة كامل أيام الأسبوع تمثّل فضاء ثقافيا خاصّا بهم يخفّف عن أبنائهم ما يتعرّضون له من غلبة الثقافة الاجتماعية السائدة، ناهيك عن النوادي والمؤسّسات الترفيهية إذا ما استثنينا المساجد والمراكز الدينية.
إنّ هذه الثقافة المغايرة التي تتعرّض لها الأقلّية المسلمة في بلاد الغرب بوجوهها المختلفة، وبوسائلها الجذّابة المغرية، وبطرق إنفاذها المتقنة، تسلّط ضغطا هائلا عليها، وبصورة خاصّة على أجيالها الناشئة، وهذا الضغط يصطدم بالموروث الثقافي الذي تحمله هذه الأقلّية إن بصفة