ذلك كلّه أن الأقلّية المسلمة بالغرب هي من الضعف السياسي والاجتماعي بحيث يكاد لا يُلمح لها وجود، ولا يكون لها أثر، وشتّان في ذلك بينها وبين أقلّيات أخرى أقلّ منها بكثير عددا، ولكنّها لقوّتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية ترى آثارها فتحسبها هي الأغلبية وليست الأقلّية. وهذا الوضع من الضعف المتعدّد الوجوه ينبغي أن يكون ملحَظا معتَبرا عند النظر في المآلات لإثراء فقه الأقلّيات.
ب ـ خصوصية الانضباط القانوني: البلاد الغربية بصفة عامّة يحظى فيها القانون باحترام كبير، سواء في الحسّ الجماعي، أو في دوائر التنفيذ؛ ولذلك فإنّ سيادة القانون فيها يُعتبر أحد الثوابت التي بُنيت عليها ثقافتها وحضارتها، ومن ثمّة فإنّ أيّما فرد أو مجموعة انتمى إلى هذه البلاد، سواء بالإقامة أو بالمواطنة، فإنّه سيصبح تحت سيادة القانون السيادة الكاملة، مهما كان وضعه العرقي أو الديني أو الثقافي.
والقانون في هذه البلاد مبنيّ على ثقافة المجتمع ومبادئه وقيمه، وهو منظّم للحياة العامّة على أساس تلك الثقافة والمبادئ والقيم؛ ويطبّق هذا القانون على الأقلّية المسلمة كما يُطبّق على سائر أفراد المجتمع من مواطنين ومقيمين، وهو تطبيق يمتدّ من أحوال الفرد إلى أحوال الأسرة إلى أحوال المجتمع بأكمله في قدر كبير من الصرامة النظرية والتطبيقية، بحيث يكاد لا يترك استثناء لخصوصية فرد أو مجموعة تمارس فيها تلك الخصوصية خارج سلطان القانون، وهو ديدن الدولة الحديثة في السيطرة الإدارية المحكمة على المجتمع، وإن تكن تلك السيطرة بتفويض من المجتمع نفسه.
في هذا الوضع تجد الأقلّية المسلمة نفسها ملزمة بالخضوع للقانون، وتطبيقه في حياتها حيثما يكون له تدخّل في تلك الحياة، وخاصّة ما كان يتعلّق بالعلاقات العامّة بين الأفراد والجماعات، أو بينهم وبين الدولة، والحال أنّ تلك القوانين كثير منها يخالف المبادئ الدينية والثقافية التي تكوّن هويّتها، وتشكّل التزامها العقدي، وهكذا ينتهي الأمر إلى سيادة قانونية على حياة الأقلّية معارضة في كثير من الأحيان لقوانين هويّتها، فإذا هي ملزمة بالخضوع لتلك القوانين، أو هي إذا كان الموقف موقف خيار بين الدخول في معاملات يحكمها القانون وبين عدم الدخول فيها فإنّ عدم الدخول يحرمها أحيانا كثيرة من ميزات مادّية وأدبية يتمتّع بها سائر أفراد المجتمع، وهو ما يعطّل كثيرا من مصالحها، ويعرقل من سبل تقدّمها.