ويثيروا بعضهم على بعض فدارت رحى الحرب وقتل من قتل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعين في فتنة خفي فيها الحق وهذا أمر الله ولا راد لأمره ولا غالب لقضائه ولا معقب لحكمه فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله على كل حال ونبغت بعد هؤلاء السفلة الخرقى طائفة أخرى تكلمت في علم الله تعالى وقدره وزعموا أن لا قدر وأن الأمر أنف وأن الله تعالى لا يعلم الأشياء ولم يقدرها قبل وقوعها فانبرى لصدها من بقي من الصحابة كابن عمر وكفروا القائل بها ولكن الأهواء والشبهات كالغلاف يمنع نفوذ نور الحق إلى القلوب والبصائر فعاندوا وكابروا المقولات وناقضوا وعارضوا المنقولات وردوا الأدلة المتواترة وتكلموا فيما ليس لهم به علم وزين لهم الشيطان أعمالهم وصدهم عن سواء السبيل فهم في غيهم يترددون وعن نور الهدى معرضون وفي العماية والضلالة غارقون ساهون لاهون, ثم تفاقمت الفتن وطلع قرن الشيطان وتكلم في ذات الرب جل وعلا وأسمائه وصفاته وازداد الأمر سوءًا بعد ترجمة كتب اليونان ونقل قواعدهم الكفرية ونظرياتهم الفلسفية إلى ديار المسلمين فانكب عليها كثير من أهل الإسلام وتضلعوا بما فيها من الباطل قبل تضلعهم من الحق فانتشرت الفلسفة وظهر علم الكلام المبني على هذه القواعد الباطلة المخالفة للمنقول والمناقضة للمعقول فاضطرمت نار الفتنة ونفخ إبليس في قلوب الكثير نفخة التجهم والاعتزال والإرجاء والإلحاد في أسماء الله وآياته وإنكار صفاته وظهرت فتنة القول بخلق القرآن فتغير وجه الأرض وخفي نور النبوة وهذا أمر الله وقدره ولا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولكن الله تعالى لم يكن ليدع أمة حبيبه صلوات الله وسلامه عليه بلا مجدد يجدد لها دينها ويذب عن حياض أدلتها ويكسر شبه البطالين ويحطم أفنية البدعة وهم العلماء الربانيون والأئمة المصلحون، أعلام الهدى ومصابيح الدجى، فقاموا في وجه هذه الفتن وصرخوا بأصحابها, وكشفوا عوارها وأبدوا سوآتها