الصفحة 3 من 192

"كان شيئا قَدَرِيًّا يَشُدُّنِي إلى هذا الرجل، فمنذ مطلع الصحوة الإسلامية في أواخر السبعينات من القرن الماضي - وكنا يومئذ نَشْأً صغيرا نتطلع إلى المعرفة، ننهل مما يحيط بنا من المعرفة من كافة مصادرها من كُتب ودوريات وإعلام مسموع ومرئي، كنا كطيور رقيقة بريئة تجول بين الحقول تأكل من هنا وهناك ولا تعلم أن عين الصياد تراقبها وأنه قد نصب لها الشباك والفخاخ يتحين الفرصة للإيقاع بها .. تأكل ولا تدري أن بين ما تأكل ما قد يفتك بها …"

هكذا كنا آنذاك - في أواخر السبعينات وبدايات الثمانينات من القرن العشرين - .. كان الغزو الفكري قد فشا وانتشر وجرى في دماء الأمة هنا وهناك، صار المسلمون يفكرون ويحلمون ويفرحون ويحزنون كما يُراد لهم … في تلكم الأيام وقعت إلينا أعدادٌ من مجلتي"الدعوة"و"الاعتصام"ثم وقعت إلينا رسائل صغيرة محببة صِرْنَا نُقْبِلُ عليها، … ثم من بعدها دوريات أخرى وكتب كثيرة صغيرة وكبيرة … لقد كانت الأفكار مُرَكَّزَة وقوية ، كنا نَعِي بعضها ونستثقل بعضها الآخر لكنها في النهاية شَكَّلَتْ الحصيلة الفكرية بل الحصن الفكري الذي أزال عنَّا ما لحقنا من دنس الفكر الجاهلي وعفن الغزو الفكري ..

أَصْدُقُكَ القول كنا آنذاك ننشغل بما نقرأ من موضوعات ولا نلتفت إلى اسم الكاتب ، وإن التفتنا لم يعلق بأذهاننا .. لكننا فيما بعد حينما تقدمنا في العمر والفهم اكتشفنا أن أكثر هذا الذي كنا نقرأ إنما خَطَّتْهُ يَدَي ذلك الرجل النُّوْرَانِيّ القابع في خَنْدَقِهِ - ربما وحيدا - في مواجهة تلكم الجيوش الجرارة والكتائب الفتاكة من جنود الأعداء يرقبها بعيني الصقر ويشهر في وجهها سلاحه الذي يملكه .. إنه قلمه …

لقد كانت يده الحانية وقلبه الرقيق يشفق على الأمة ويرى ما لا ترى ، فيقطع آلاف الأميال بقلمه السيال المتدفق يكشف للأمة المُغَيَّبَة الحقيقة ساطعة ويزيل الران عن القلوب والعقول ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت