وهذا التحول الاقتصادي والسياسي لشيوخ العشائر حوّل بوصلتهم نحو العاصمة بغداد وليس إلى كربلاء والنجف اللتين كان يدار فيهما كل شيء للعشائر، ومع توقف الزيارات الخارجية وتقليل مجيء الإيرانيين قلّ وضعف نفوذ مدينتي النجف وكربلاء. بل إن انتماء رؤساء العشائر للأحزاب السياسية في وقتها كحزب الاتحاد الدستوري وغيره قرّب رؤساء العشائر ببغداد والنخب السياسية، وأبعدهم عن رجال الدين الشيعة بشكل ملحوظ.
هذا من جانب، ومن جانب آخر مهم لم تعد هناك رغبة قوية لدى شيوخ العشائر بتكوين قوى مسلحة، وأصبح التنافس السياسي للوصول للسلطة هو الهدف الأول لهم، مما أضعف فكرة القيام بثورة أخرى يستغلها مراجع الشيعة سواء كانوا عربا أم إيرانيين.
كما عملت الحكومة بشكل ذكي على تشكيل قوة السراكيل (الموظف المراقب لشؤون العمل الزراعي) وهي طبقة من الناس تدير بشكل مباشر شؤون العشيرة الزراعية، وقوة لحفظ الأمن بدل شيخ العشيرة؛ الذي أصبح موجودا في بغداد لمتابعة التعاملات السياسية والاقتصادية، لذا تولدت قوة جديدة، وهي أيضا بديل عن قوة مراجع الشيعة.
وقوة السراكيل كانت موجودة في عهد العثمانيين ولكنها كانت قوة موظف همّه جمع الضرائب، أما في العهد الملكي فتغيّرت وأصبحت قوة فاعلة على الأرض.
النجف وكربلاء
هاتان المدينتان ليستا مدنا مقدسة عند الشيعة فحسب، بل هما مدينتا المؤامرات الشيعية على العراق، وفيهما تحاك كل المشاكل لمنع استقرار البلد حتى يكون العراق بلدا شيعيا، وإليهما يدخل الإيرانيون وغير العرب للعراق بحجة الزيارة وتعقد المؤامرات، ومنهما انطلقت المعارضة العراقية بعد سنة 1980م ومن يومها تشكلت بؤر شيعية ساعدت على احتلال العراق وقيادته أسوأ قيادة في تاريخه.