ويظهر لنا أن هذا الحب لعلي وأهل بيته، وتفضيلهم على من سواهم، ليس بالأمر الذي جد وحدث بعد عصر الصحابة، بل وجد من الصحابة من كان يحب عليا ويرى أنه أفضل من سائر الصحابة، وأنه أولى بالخلافة من غيره، كعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله... وغيرهم كثير.
غير أن هذا الحب والتفضيل لم يمنع أصحابه من مبايعة الخلفاء الذين سبقوا عليا رضي الله عنه؛ لعلمهم أن الأمر شورى بينهم، وأن صلاح الإسلام والمسلمين لا بد له من شمل متحد وكلمة مجموعة، كما أن الأمر لم يصل إلى القول بالمبدأ الذي تكاد تتفق عليه كلمة الشيعة، ويرونه قوام مذهبهم وعقيدتهم وهو"أن الإمامة ليست من مصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة، ويعين القائم بها بتعيينهم، بل هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز للنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم، ويكون معصوما من الكبائر والصغائر، وأن عليا رضي الله عنه، هو الذي عينه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه" ( ) .
لم يكن الشيعة جميعًا متفقين في المذهب، والعقيدة، بل تفرقت بهم الأهواء فانقسموا إلى فرق عدة، يرجع أساس اختلافها وانقسامها إلى عاملين قويين، كان لهما كل الأثر تقريبا في تعدد فرق الشيعة وتفرق مذاهبهم:
أولهما: اختلافهم في المبادئ والتعاليم، فمنهم من تغالى في تشيعه وتطرف فيه إلى حد جعله يلقي على الأئمة نوعا من التقديس والتعظيم، ويرمي كل من خالف عليا وحزبه بالكفر. ومنهم من اعتدل في تشيعه فاعتقد أحقية الأئمة بالإمامة وخطأ من خالفهم، ولكن ليس بالخطأ الذي يصل بصاحبه إلى درجة الكفر.