العباد وانه يدبر جميع الكائنات وقد يفرقون بين من يعلم ذلك علما وبين من يراه شهودا فلآ يسقطون التكليف عمن يؤمن بذلك ويعلمه فقط ولكن عمن يشهده فلآ يرى لنفسه فعلآ أصلآ وهؤلاء لا يجعلون الجبر وإثبات القدر مانعا من التكليف على هذا الوجه.
وقد وقع في هذا طوائف من المنتسبين إلى التحقيق والمعرفة والتوحيد وسبب ذلك أنة ضاق نطاقهم عن كون العبد يؤمر بما يقدر عليه خلافه كما ضاق نطاق المعتزلة ونحوهم من القدرية عن ذلك ثم المعتزلة اثبتت الأمر والنهى الشرعيين دون القضاء والقدر الذى هو إرادة الله العامة وحلقة لأفعال العباد وهؤلاء اثبتوا القضاء والقدر ونفوا الأمر والنهى في حق من سهد القدر إذا لم يمكنهم نفى ذلك مطلقا وقول هؤلاء شر من قولة المعتزلة ولهذا لم يكن في السلف من هؤلاء احد وهؤلاء يجعلون الأمر والنهى للمحجوبين الذين لم يشهدوا هذه الحقيقة الكونية ولهذا يجعلون من وصل إلى شهود هذه الحقيقة يسقط عنة الأمر والنهى وصار من الخاصة وربما تأولوا على ذلك قوله تعالى {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} الحجر99
واستمِرَّ في عبادة ربك مدة حياتك حتى يأتيك اليقين, وهو الموت. وامتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربه, فلم يزل دائبًا في عبادة الله, حتى أتاه اليقين من ربه. وجعلوا اليقين هو معرفة هذه الحقيقة وقول هؤلاء كفر صريح وان وقع فيه طوائف لم يعلموا انه كفر فانه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن الأمر والنهي لازم لكل عبد ما دام عقله حاضرا إلى أن يموت لا يسقط عنه الأمر والنهي لا بشهوده القدر ولا بغير ذلك فمن لم يعرف ذلك عرفه وبين له فإن أصر على اعتقاد سقوط الأمر والنهي فانه يقتل.
وقد كثرت مثل هذه المقالات في المستأخرين، وأما المستقدمون من هذه الأمة فلم تكن هذه المقالات معروفة فيهم.
وهذه المقالات هي محادة لله ورسوله ومعاداة له وصد عن سبيله ومشاقة له وتكذيب لرسله ومضادة له في حكمه وان كان من يقول هذه المقالات قد يجهل ذلك ويعتقد أن هذا الذي هو عليه هو طريق الرسول وطريق أولياء الله المحققين فهو في ذلك بمنزلة من يعتقد أن الصلاة لا تجب عليه لاستغنائه عنها بما حصل له من الأحوال القلبية أو أن الخمر حلال له لكونه من الخواص الذين لا يضرهم شرب الخمر أو أن الفاحشة حلال له لأنه صار كالبحر لا تكدره الذنوب ونحو ذلك.
ولا ريب أن المشركين الذين كذبوا الرسل يترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله فهؤلاء الأصناف فيهم شبه من المشركين إما أن يبتدعوا وإما أن يحتجوا بالقدر وإما أن يجمعوا بين الأمرين كما قال تعالى عن المشركين {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَامُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الأعراف28
وإذا أتى الكفار قبيحًا من الفعل اعتذروا عن فعله بأنه مما ورثوه عن آبائهم, وأنه مما أمر الله به. قل لهم -أيها الرسول-: إن الله تعالى لا يأمر عباده بقبائح الأفعال ومساوئها, أتقولون على الله -أيها المشركون- ما لا تعلمون كذبًا وافتراءً؟ وكما قال تعالى عنهم {وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ} النحل35
وقال المشركون: لو شاء الله أن نعبده وحده ما عبدنا أحدًا غيره, لا نحن ولا آباؤنا مِن قبلنا, ولا حَرَّمَنا شيئًا لم يحرمه, بمثل هذا الاحتجاج الباطل احتج الكفار السابقون, وهم كاذبون; فإن الله أمرهم ونهاهم ومكَّنهم من القيام بما كلَّفهم به, وجعل لهم قوة ومشيئة تصدر عنها أفعالهم, فاحتجاجهم بالقضاء والقدر من أبطل الباطل من بعد إنذار الرسل لهم, فليس على الرسل المنذِرين لهم إلا التبليغ الواضح لما كُلِّفوا به ..