أنجز عمر رضي الله عنه خلال فترة خلافته القصيرة-عامان ونصف فقط- من الأعمال الخالدة،ما لا يستطيع غيره إنجازه في عشرات السنين وما يستعصى على الحصر. فقد بسط العدل في كل أنحاء البلاد الإسلامية من أفغانستان والهند شرقا إلى أقصى بلاد المغرب العربي غربا. وعم الرخاء الجميع على نحو لم يسبق له مثيل . ثم هناك أيضا بسط الأمن بلا بطش أو سفك للدماء كما وقع في عهود من سبقوه من حكام بنى أمية. وتحرر في عهده المبارك مئات الألوف من العبيد والجواري. فقد فاضت أموال الزكاة والخراج والصدقات في خلافته، ولم يجد ولاته على الأقاليم فقراء يعطونها لهم ، فاشتروا بها مئات الألوف من العبيد وأعتقوهم .و من أعمال عمر رضي الله عنه أيضا المذكورة إنقاذ جيش مسلمة بن عبد الملك، من مكيدة خبيثة نصبها له الرومان قرب القسطنطينية.
والقائد العبقري الشجاع ليس هو ذلك الذي يهاجم بجرأة وبسالة فقط ،إنما هو الذي يتقدم وينقض حين تكون الظروف مواتية لذلك، وينسحب بانتظام عندما يكون الاستمرار في القتال ضربا من الجنون والانتحار. وقد كان عمر رضي الله عنه من الأتقياء الذين يضنون بالدماء الطاهرة الذكية، أن تراق عبثا في معركة خاسرة. ولهذا أرسل إمدادات عاجلة من الطعام والمؤن، إلى جيش مسلمة، وأمره بالعودة إلى الشام بعد أن انقضت على الجنود فترة طويلة قاسوا خلالها من ندرة الطعام والماء وسوء الأحوال الجوية وغدر الأعداء.
وطوال عهد عمر قل نشاط الخوارج المناهض للدولة، فقد أحجم الكثيرون منهم عن مناصبة الخليفة العادل العداء، وأيقنوا أنهم لن يجدوا عليه من المآخذ والعيوب ما كانوا يجدونه فيمن سبقوه من حكام بني أمية. أما القلة القليلة التي أصرّت على الباطل ، فقد وكّل بها عمر جيشا شتت جماعتها وكسر شوكتها، بعد أن عجز الحوار والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة عن كبح جماحها.