وتكلم أخيرا فكان أول ما قاله:"أيها الناس إني لست بمبتدع ، ولكني متبع ، وإن من حولكم من الأمصار - الأقاليم - والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم، وإن هم رفضوا فلست لكم بوال .. ويروي أيضا أنه أعفي من بايعوه وطالبهم باختيار وال آخر بدلا منه !! إنه الورع والتعفف وعمق الفقه والبصيرة .. فإذا كان الإسلام ينهي الفرد عن إمامة المصلين - في الصلاة - بغير رضا منهم ، فكيف يتولى الخلافة عليهم بدون أذنهم ورضاهم ؟ ألمجرد أن الخليفة السابق اختاره لهذا المنصب؟! لقد أن الأوان ليعود الحق إلي نصابه ، ويترك اختيار الحاكم للرعية ، كما فعل الرسول صلي الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده.. ارتج المسجد بصيحات مدوية تجدد البيعة للأمير الراشد ، وتلح عليه في التراجع عن موقفه ، فما يصلح لها غيره، وما يرتضون به بديلا، وقد علموا أنهم إذا تركوه يعودون إلي سابق العهد المرير من الملك العضوض و الاستبداد البغيض الذي نغّص علي الأتقياء دينهم وعيشهم. وعندما أيقن عمر أنه لا مفر أمامه من قبول المسئولية خطب في الحاضرين مرة أخرى قائلا"أيها الناس .. من صحبنا فليصحبنا بخمس وألا فليفارقنا .. يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفع حاجته ، ويعيننا علي الخير بجهده ، ويدلنا من الخير علي ما لا نهتدي إليه ، ولا يغتابن عندنا أحدا ، ولا يعرضن فيما لا يعنيه"."
بهذه الكلمات البليغة الموجزة وضع عمر دستور التعامل بينه وبين رعيته وعماله وحاشيته .. وعندما سمع الناس ما قال الخليفة الجديد أيقن العلماء والصالحون والزهاد أنهم وجدوا أخيرا بقية من رشد الخلافة الأولي وتقواها، ويئس الظالمون والمنافقون وبطانة السوء ، وقام كل مظلوم ومقهور ومجني عليه يبغي القصاص ورد المظالم علي يدي راشد بنى مروان .