فالناس في موافقة نصوص الكتاب والسنة أقسام:
أحدها: من يوافقها لفظًا ومعنى، وهذا أسعد الناس بالحق.
الثاني: من يوافقها في المعنى دون اللفظ، كمن يتكلم في المعاني الشرعية الصحيحة بألفاظ
غير شرعية؛ وهذا كالألفاظ المجملة والتي تحتمل حقًا وباطلًا وهذا أقل مرتبة من الأول
الثالث: من يوافق نصوص الكتاب والسنة في اللفظ دون المعنى، وهؤلاء كطوائف الباطنية
وغيرهم عن عقائدهم الفاسدة بألفاظ شرعية؛ فالصلاة عندهم كشف أسرارهم، والصيام
كتمانها، والحج القصد إلى شيوخهم، ونحو ذلك.
الرابع: من يخالف نصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى، وهؤلاء أشقى الطوائف، وهم من
الكفرة والملاحدة ونحوهم.
القاعدة الثالثة
لا ينبغي بتر الدليل والاستدلال بجزئه
وهذا شأن أهل الابتداع حتى يجدوا من الكلمات الشرعية ما يسوّغ لهم بدعتهم ويجعلها تروج عند ضعفاء المسلمين.
وقد عاب الله تعالى على من يأخذ ببعض الكتاب ويدع بعضه فقال سبحانه:"أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فماجزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب".
ولما احتج غيلان الدمشقي أمام عمر بن عبد العزيز على مقالته في القدر بقوله تعالى:"إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعًا بصيرًا* إنّا هديناه السبيل إما شاكرًا وإما كفورًا". (الإنسان 2 - 3) قال له عمر: اقرأ آخر السورة"وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إنّ الله كان عليمًا حكيمًا* يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعدّ لهم عذابًا أليمًا" (الإنسان 30 - 31) ، ثم قال له عمر: ما تقول يا غيلان، قال: أقول: قد كنت أعمى فبصرتني، وأصم فأسمعتني، وضالًا فهديتني ... . فأظهر توبته، ثم رجع إلى مقالته في عهد هشام بن عبد الملك.
القاعدة الرابعة
الحق يقبل من أي جهة جاء
الحق يقبل لكونه موافقًا للدليل، فلا أثر للمتكلم به في قبوله أو رفضه؛ ولهذا كان أهل السنة يقبلون ما عند جميع الطوائف من الحق، ويردون ما عندها من الباطل، بغض النظر عن الموالي منها