صحيح، فهو مدّعٍ، وهذا الذي قاله دعوى، تحتمل أن تكون صدقًا، وتحتمل أن تكون كذبًا، وإن كان لم يلتزم صحة ما نقل؛ فإن كان بديهيًا أو مسلّمًا عند الخصم أو معتبرًا من ضروريات مذهبه لم يتوجه إليه شيء من الاعتراضات، ولزم خصمه القبول والتسليم، وإن كان ليس كذلك، فلا يتوجه إليه إلا المطالبة بتصحيح النقل بطريق يثبت بها صحة ذلك النقل، وقد يسمى طلب تصحيح النقل منع الدعوى.
والدليل على الشق الأول قوله تعالى:"قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين" (آل عمران 93)
فكل دعوى -ينازع فيها - لا بد من إقامة الدليل عليها، وإلا كانت مجرد دعوى خلية عن البرهان، والدليل إما أن يكون نقليًا أو عقليًا، والمطلوب في النقلي تحرير صحته، وفي العقلي إظهار صراحته وبيان حجته:
والدليل على الشق الثاني: قال تعالى:"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" (البقرة 111) ، فهذا عام في كل دعوى، لا بد من تصديقها بالدليل.
ومن هنا قال علماء أدب البحث والمناظرة: إن كنت ناقلًا فالصحة، أو مدعيًا فالدليل.
ولهذا تجد كثيرًا من أهل البدع يستدل على بدعته بنقل ضعيف أو موضوع، أو دلالة ضعيفة، أو بعقل فاسد:
فالشيعة -مثلًا- يكثر عندهم الاستدلال بالنقول الموضوعة والضعيفة، وكذلك الدلالة الضعيفة، ويشاركهم في ذلك طوائف من المتصوفة.
أما أهل الفلسفة والكلام، فيكثر عندهم الاستدلال بالأقيسة العقلية الفاسدة، أو الاحتمالات والتجويزات في مقام القطعيات واليقينيات.
القاعدة الثانية
موافقة النصوص الشرعية لفظًا ومعنى أولى من موافقتها في المعنى دون اللفظ
وذلك أن متابعة الكتاب والسنة في اللفظ والمعنى أكمل وأتم من متابعتهما في المعنى دون اللفظ؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم علّم البراء بن عازب كلمات يقولهن إذا أخذ مضجعه وفيها: ( ... آمنت بكتابك الذي أنزلت وبنبيك الذي أرسلت) قال البراء: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: (آمنت برسولك الذي أرسلت. قال- أي النبي صلى الله عليه وسلم-قل آمنت بنبيك الذي أرسلت) تحقيقًا لكمال الموافقة في اللفظ والمعنى.
ولهذا منع جمع من العلماء نقل حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بالمعنى، ومن أجازه اشترط أن يكون الناقل عالمًا بما يحيل المعنى من اللفظ، مدركًا لأساليب العرب حتى يستبين الفروق.