عن تفسير آية.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا: عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما، أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي- صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ...""دقائق التفسير" (1/ 142) ."
قلت: ومثله كذلك: أثر ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما:"لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن وتنْزل السورة على محمد، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغي أن يوقف عنده منها؛ كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم، ولقد رأينا اليوم رجالا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يوقف عنده منه".
و أثر ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه:"لما نزلت هذه الآية (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) شقّ ذلك على أصحاب رسول الله، وقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم، فقال رسول الله: إنه ليس بذاك، ألا تسمع إلى قول لقمان لابنه:"إن الشرك لظلم عظيم"في أحاديث وآثار."
هذا .. وإذا ما اعتبرنا كذلك لسان العرب، فـ اللغة العربية عند العرب تنقسم إلي قسمين:
أحدهما: الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره.
والثاني: المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوزات، وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب.
في الحقيقة نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأن القرآن يبلغ رسالة: عارضوه بأي القسمين شئتم، ولو نزل كله واضحًا لقالوا: هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا"من كتاب"المدهش"لابن الجوزي."
وعليه .. فإنَّ النتيجة التي يمكن أن نخلص إليها من جملة هذه الآثار: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- بيّن لهم من المعاني ما احتاجوا إليه، بدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم:"قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة وإن عبدا حبشيا فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد"
"صحيح الجامع"برقم (4369)
وفي رواية: " آلفقر تخافون والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إن أزاغه إلا هي، وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء""صحيح الجامع" برقم (9)
رابعًا: بطلان قول المخالف، فكيف بمنكر السُّنُّة؟!: قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى:"... وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين، فذلك إنما قبلوه؛ لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي لفظ القرآن ومعانيه جميعا كما ثبت ذلك عنهم ..."
وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه، وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم، ولا ما يقرؤونه، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول، ولا يسألونه عن ذلك، ولا يبتدىء هو بيانه لهم.
هذا مما يعلم بطلانه ... فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله تلقيا عن الرسول، فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن، وهم مخطئون، وهذا يعلم بطلانه ضرورة عادة وشرعا"."