الصفحة 5 من 17

ومع هذا فقد يعرض للخطيب أحيانًا ما يوجب إطالة الخطبة. كأن يتناول معالجة قضية عصرية، أو دفع شبهة مضللة، أو نحو ذلك من مهمات المجتمع الإسلامي. غير أن هذا لا يتنافى مع الأمر بقصر الخطبة لأنه أمر عارض لا دائم لما روى مسلم (أنه عليه الصلاة والسلام صلى الفجر وصعد المنبر، فخطب إلى الظهر، فنزل وصلى وصعد وخطب إلى العصر، ثم نزل وصلى ثم صعد وخطب إلى المغرب فأخبر بما كان وما هو كائن) .

قال ابن القيم: رحمه الله في هديه - صلى الله عليه وسلم - بالخُطَب (وكان يقصر خطبته أحيانًا ويطيلها أحيانًا بحسب حاجة الناس) [1] .

وقال شيخنا محمد بن عثيمين رحمه الله: وأحيانًا تستدعي الحال التطويل، فإذا أطال الإنسان أحيانًا لاقتضاء الحال فإن هذا لا يخرجه عن كونه فقيهًا [2] .

أما ما يصنعه بعض الخطاب فيمضي الوقت الطويل في إلقاء الخطبة ويوجز في الصلاة فهو خلاف سنة المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ودليل على عدم التدبر بالحكم النبوية والمقاصد الشرعية.

فالخُطب الفذة لا تقاس بكثرة الكلام، وطول الإلقاء. وإنما هي كلمات موزونة بمعان مؤثرة. تخرج من قلب شفيق، فتلقى آذانًا صاغية، وقلوبًا واعية، فتقع موقعًا مؤثرًا.

مقدار صلاة الجمعة:

علمت فيما سبق أمر الشارع بتطويل صلاة الجمعة لكن هذه الإطالة لابد أن تتناسب مع قصر الخطبة. ويتضح هذا جليًا من خلال مقدار السور المشروعة قراءتها في هذه الصلاة كسورتي الأعلى والغاشية أو الجمعة والغاشية أو الجمعة وسورة المنافقين.

ولا يتنافى أمره - صلى الله عليه وسلم - بإطالة صلاة الجمعة مع أمره بتخفيف الصلوات والنهي عن المشقة على المأمومين. لأن هذه إطالة لا تخرج عن الصفة المشروعة ويؤيد هذا رواية: (وكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا) .

قال النووي: في معنى الحديث: «أي بين الطول الظاهر والتخفيف الماحق» .

(1) انظر زاد المعاد (1/191) .

(2) انظر الشرح الممتع (5/78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت