الصفحة 31 من 165

وأما إذا كان المردود عليه من أهل السنة والجماعة فإن الرَّدَّ يكون بأدب، وينبَّه على أغلاطه التي تكون في مسائل الفقه ومسائل الاستنباط والاجتهاد؛ فنقول: فلان أخطأ في كذا والصواب كذا بالدليل -غفر الله له-، وهذا اجتهاده، وهكذا، كما كانت الردود بين الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم .

وهذا لا يقدح في مكانته العلمية إذا كان من أهل السنة والجماعة .

وأهل السنة والجماعة ليسوا معصومين، عندهم أخطاء وقد يفوت أحدهم الدليل أو اختلال الاستنباط؛ فلا نسكت على الخطأ وإنما نبينه مع الاعتذار عنه؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد ) ) (1) .هذا في مسائل الفقه .

أما إذا كان في مسائل العقيدة فإنه لا يجوز لنا أن نمدح المضللين والمخالفين لأهل السنة والجماعة من: معتزلة، وجهمية، وزنادقة، وملاحدة (2)

(1) ... البخاري: ( 6919 ) ، مسلم: ( 1716 ) .

(2) ... قد يقول قائل: لماذا أنتم تتكلمون عن المعتزلة، والجهمية، والزنادقة، والأشاعرة، والخوارج، والمرجئة، وتذكرونهم دائمًا عند ذكر مسائل العقيدة، مع أن هذه الفِرَق قد مضت، وأهلها أصبحوا تحت الثرى، وكما يقال:"أكل الزمان عليها وشرب"ولا داعي لذكرها ؟ .

= ... نقول - وبالله التوفيق -:

... نعم، هذه فِرَق كانت في الماضي، وأهلها ومؤسسوها قد فارقوا الحياة من قرون مضت، ولكن الأفكار ما زالت، وعقائدهم ما تزال، بل أتباعهم المتأثرون بهم موجودون بين أظهرنا؛ فعقيدتهم وأفكارهم تنتقل من جيل إلى جيل، ولها مروّجون .

... فأما عقيدة المعتزلة: فموجودة، بل منتشرة بين كثير من المنتسبين إلى الإسلام، لأن الشيعة بجميع طوائفها - حتى الزيدية - على عقيدة الإعتزال .

... وأما الأشعرية: فهي الفرقة التي لها الوجود الجماعي بين جمهور المسلمين اليوم .

وأما الإرجاء: فموجود - أيضًا - عند الحنفية الذين يرون أن الإيمان هو التصديق والقول فلا تدخل الأعمال - عندهم - في مسمى الإيمان، وإن كان هذا الإرجاء أخف نوعًا مِن إرجاء أهل الكلام المعروف .

وإن كان لا يخل عصر من هذه العقائد والمذاهب المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة في الاعتقاد، إلا أن لكل عصر رجال، يدافعون عن هذه العقيدة .

فقد انبرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والافتاء بالمملكة العربية السعودية في التحذير من الإرجاء في الفتوى رقم ( 21436 ) في 8/4/1421هـ .

قالت اللجنة:"مقالة المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، ويقولون: الإيمان هو التصديق بالقلب، أو التصديق بالقلب والنطق باللسان فقط، وأما الأعمال فإنها عندهم شرط كمال فيه فقط وليست منه، فمن صدق بقلبه، ونطق بلسانه، فهو مؤمن كامل الإيمان عندهم، ولو فعل ما فعل من ترك الواجبات وفعل المحرمات ويستحق دخول الجنة ولو لم يعمل خيرًا قط ...."

ولا شك أن هذا قول باطل وضلال مبين مخالف للكتاب والسنة، وما عليه أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا، وأن هذا يفتح بابًا لأهل الشر والفساد .."انظر كتاب:"التحذير من الإرجاء وبعض الكتب الداعية له": ( 8-9 ) ."

... وأما الملاحدة من: وِحدة الوجود وغيرهم: فموجودة؛ لأن أتباع ابن عربي الطائي موجودون، وهم غلاة الصوفية .

= ... وعلى هذا .. فإننا عندما نذكر هذه الفرق لسنا نتحدث عن العظام وهي رميم، ولكننا نتحدث عن فِرَق موجودة بين المسلمين اليوم، وهو أمر لا يخفى على طلاب العلم، وإنما ينكر علينا - ذِكرنا لهذه الفرق - من لا يعرف الحقائق، أو يريد التلبيس على الناس، وترويج العقائد الباطلة؛ فعليه أن يسأل قبل أن ينكر . هذا باختصار، وإلا فالموضوع طويل الذيل، والله أعلم .

وإليك بعض الأمثلة التي توضِّح أن أفكار تلك الفِرَق الهالكة موجودة:

1-يقول"سيد قطب"في كتابه:"ظلال القرآن": ( 4/2328 ) ما نصه:

(( القرآن ظاهرة كونية كالأرض ولسماوات ) ).

وهذا قولٌ بخلق القرآن، وهو قول الجهمية وغيرهم .

... ويصف الآيات القرآنية في كتابه"ظلال القرآن"بـ: الاقاعات الموسيقية، والأسلوب الموسيقي. في سورة: الشمس، الفجر، الغاشية، الطارق، القيامة، هذا على سبيل المثال .

ويصف الله تعالى، بـ (( الصانع ) )في سورة: ( الأعلى ) ص: [ 3883 ] تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا .

2-ويقول - أيضًا - في كتابه:"الظلال": ( 6/4002 ) في تفسير ( قل هو الله أحد ) : (( إنها أحدية الوجود؛ فليس هناك حقيقة إلا حقيقته، وليس هناك وجود حقيقي إلا وجوده، وكل موجود آخر فإنما يستمد وجوده من ذلك الوجود الحقيقي ) ). فهذه عقيدة وحدة الوجود .

... قال العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين-رحمه الله-:"قرأت تفسيره - يعني: ظلال القرآن لسيد قطب - لسورة الإخلاص وقد قال قولًا عظيمًا فيها، مخالفًا لما عليه أهل السنة والجماعة؛ حيث إن تفسيره لها يدل على أنه يقول بوحدة الوجود:"براءة علماء الأمة": ( ص /42 ) ."

وقال المحدث الشيخ الألباني - رحمه الله -:"نقل - سيد قطب - كلام الصوفية ولا يمكن أن يفهم منه إلا أنه يقول بوحدة الوجود". المصدر السابق: (ص 37 ) .

= ... وكتب -رحمه الله- بخط يده على فاتحة كتاب"العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم"للشيخ ربيع بن هادي المدخلي حفظه الله (ص 3، ط. الثانية 1421هـ) هذه العبارة:"كل ما رددته على سيد قطب حق وصواب، ومنه يتبين لكل قارئ مسلم على شيء من الثقافة الإسلامية أن سيد قطب لم يكن على معرفة بالإسلام بأصوله وفروعه. فجزاك الله خير الجزاء أيها الأخ ( الربيع ) على قيامك بواجب البيان والكشف عن جهله وانحرافه عن الإسلام. اهـ . ونشر في"المجلة السلفية"العدد السابع، عام 1422هـ، ص: ( 46 ) ."

... 3- ويقول"محمد قطب": (( إن الأمر يحتاج إلى دعوة الناس من جديد إلى الإسلام، لا لأنهم - في هذه المرة - يرفضون إن ينطقوا بأفواههم: لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما كان الناس يرفضون نطقها في الغربة الأولى، ولكن لأنهم - في هذه المرة - يرفضون المقتضى الرئيسي لـ لا إله إلا الله وهو: تحكيم شريعة الله ) )انتهى ، نقلًا من كتاب"واقعنا المعاصر" ( ص: 29 ) .

أقول: هذا تكفير للجماهير بالجملة، وإلا كيف يحكم بأنهم رفضوا حكم الله ؟ وكيف يشبِّههم بالجاهلية قبل الإسلام ؟ دون تفصيل أو استثناء للذين يُحَكِّمون شريعة الله، وليس لهم دستور إلا كتاب الله .

ومثل هذا الإطلاق يتكرر كثيرًا من هؤلاء الكتاب، كأنهم لا يعترفون بوجود دولة إسلامية سلفية عملاقة في قلب الجزيرة العربية، ولا يعترفون بوجود مسلمين في الأقطار الأخرى من أهل الحديث، وغيرهم من أنصار السنة ومذهب السلف .

... والغريب أن هؤلاء - أو بعضهم - يعيشون في هذا البلد الإسلامي ( المملكة العربية السعودية ) عندما يطلقون مثل هذا الكلام، الذي فيه تلبيس خطير على القراء، حيث يفهم القارئ البسيط بأنه لا توجد اليوم دولة إسلامية تنطق بـ ( لا إله إلا الله ) ، وتعمل بمقتضاها، وتحكّم شرع الله، ولا يوجد أفراد أو جماعات من أهل التوحيد على وجه الأرض، وهذا تغرير منهم للقراء وتضليل وتلبيس حتى يوقعوهم في التكفير وقد وقع الكثير في ذلك. فلينتبه طالب العلم لهذه الظاهرة المنتشرة بين كثير من هذا الصنف من الكتاب، هداهم الله إلى الصواب .

= ... 4- يقول أحد المنتسبين إلى الدعوة: (( من المجاهرة: أن الإنسان يفخر بالمعصية أمام زملائه، يبدأ يجاهر بأنه فعل كذا، وفعل كذا، ويبدأ يسرد قائمة من المعاصي . هذا لا يُغفر له !! إلا أن يتوب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم عليه بأنه لا يُعافى"كل أمتي معافى"

... ... أقول: أين في الحديث أن الله لا يغفر لهؤلاء ثم من قال من أهل السنة والجماعة أن من يموت على معصية -وإن كان مجاهرًا- لا يغفر الله له إلا بالتوبة، أليس هو تحت المشيئة إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة ؟ إلا أن يكون هذا مذهب الخوارج والمعتزلة !!.

... ثم يستمر هذا الداعية فيقول: وأخبث وأعظم من ذلك أن بعضهم ... يقول: أنا لي علاقات محرّمة، وأنا لي صداقات، وأنا لي أسفار. فهذا يتشبّع بالمعصية. وبعضهم يسجّل المعصية على أشرطة،ولا كرامة لهم لأنهم مرتدون بفعلهم هذا!!.

يسجّل كيف غرّر بفتاة، وارتكب معها الفاحشة. وهذه رِدّة عن الإسلام، هذا مخلد في نار جهنّم، إلا أن يتوب )) !!. انتهى من شريط"جلسة على الرصيف".

وعن المغنين الذين يتداول بعض الشباب أشرطتهم التي تدعو للرذيلة وتغرير الشباب والفتيات .. يقول: (( أنا مطمئن أن صاحب هذا العمل أقل ما يقال عنه: أنه مستخف بالمعصية، ولا شك أن الاستخفاف بالذنب - خاصة إذا كان ذنبًا كبيرًا ومتفق على تحريمه - أنه كفر بالله؛ فمثل هؤلاء لا شك أن عملهم هذا ردة عن الإسلام، أقول هذا وأنا مرتاح مطمئن القلب إلى ذلك ) )انتهى من شريط"الشباب أسئلة ومشكلات"، وسيأتي في التعليق رقم (132) .

... أقول: إن التكفير، وتفسير انتشار المعاصي وإشاعتها بين الناس بالأخبار يعتبر استخفافًا يؤدي إلى الكفر؛ يدل على الجرأة الزائدة على التكفير بالكبيرة، وعدم التورع؛ وهذا من منهج الخوارج، حيث إنهم يكفّرون بالكبيرة؛ لأن ما ذكره من الإخبار بالمعاصي والعلاقات السيئة مع العصاة، فمثل هذا الكلام محتمل، وليس صريحًا في الاستحلال؛ قد يكون الحامل عليه الجهل، لذلك ينبغي التذكير وعدم

= ... التكفير، وهذه طريقة أهل السنة والجماعة، وليس الاستخفاف استهزاءًا، بل كل من فعل معصية كبيرة أو صغيرة؛ فإنه لا يفعلها إلا بعد ما يستصغرها ويستخفها؛ فليس المستخف بالمستهزئ . ومن ذا المعصوم ؟ ! والله أعلم .

5-يقول آخر متسائلًا ومجيبًا في الوقت نفسه:

... (( تصوَّر أن المنكرات الموجودة في مجتمعنا مجرد معاصِ ؟، كثير من الناس يتصور الآن أن الربا مجرد معصية أو كبيرة، والمخدرات والمسكرات مجرد معصية، والرشوة مجرد معصية أو كبيرة من الكبائر ...، لا يا إخوان !!، تتبعت هذا الأمر فوضح لي الآن: أن كثيرًا من الناس في مجتمعنا استحلوا الربا -والعياذ بالله- !!،

... أتعلمون الآن في بنوك الربا في بلادنا زادوا عن مليوني شخص،بالله عليكم هل كل هؤلاء الملايين يعرفون أن الربا حرام، ولكنهم ارتكبوها وهي معصية؟ لا والله !! .

إذًا من الخطورة الموجودة الآن بسبب كثرة انتشار المعاصي: أن الكثير قد استحلوا هذه الكبائر - والعياذ بالله - )) ا هـ من شريط"التوحيد أولًا"!! .

أقول كما قلت وتكلمت على المثال الذي قبله ..

ولكن هذا المثال أخطر على صاحبه في فهمي، وذلك أنه قال في مبالغاته الخطيرة: أن ما يقع في هذا المجتمع من الربا والمسكرات والرشوة، أن كل ذلك ليس مجرد معصية أو كبيرة من الكبائر، ويقسم بالله على ذلك .

وهذا كما أشرت سابقًا في كلامي على المثال الذي قبله .

والجزم بأن من ارتكب هذه المعاصي أنه مستحِل، دون أن يسمع من أحد التصريح بأن الربا حلال، وتعاطي الرشوة حلال، وتعاطي المسكرات والمخدرات حلال، الجزم بالتكفير دون سماع مثل هذه العبارات، أن تشهد عليه بالاستحلال دون بَيِّنة عادلة، بل مجرد الاحتمال؛ دليلٌ واضحٌ على ضعف ورع هذا المكفِّر، وعلى عدم المبالاة، وهذا منهج الخوارج والمعتزلة .

فنصيحتي لهم ولأمثالهم: التراجع عن مثل هذا التصريح؛ الخطير عليهم قبل غيرهم، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .

= ... 6- ويقول ثالث - دكتور في العقيدة -:

... وهو يمسك منشورًا لأحد الفنادق في دولة خليجية -وذلك في بيت من بيوت الله، ولم يراعِ للمسجد حرمته: (( في هذا الفندق - بكل صراحة - فيه مشروبات، أي: أنه يقدم الخمور، بالإضافة إلى ما فيه ... فهذه دعوة صريحة إلى الخمر، وأنه رقص مختلط وتعَرِّي، مع شرب الخمرـ، نعوذ بالله من هذا الكفر ) )اهـ من شريط رقم: ( 272/2 ) "شرح العقيدة الطحاوية".

... ويقول في كتاب له: (( ولقد ظهر الكفر والإلحاد في صحفنا، وفشى المنكر في نوادينا، ودُعِي إلى الزنا في إذاعاتنا وتلفزيوننا، واستبحنا الربا ) )ا هـ .

... وقد خرج وطُبِع هذا الكتاب - بعناوين مختلفة - في: الباكستان بعنوان:"كشف الغُمَّة عن علماء الأمة"، وفي أمريكا بعنوان:"وعد كيسنجر"، وفي مصر بعنوان:"حقائق حول أحداث الخليج".

... قلت: على كل، فأنت ترى أن صاحب هذا الكلام قد تجشّم القول باستباحتنا للربا وما عُطِف عليه، ونحن - بحمد الله - لم نستبح الربا ولا مجتمعنا، ولا نعتبر مجرّد انتشار الخمور في بعض الأقطار المجاورة كفرًا مخرجًا من مِلّة الإسلام، بل الذي ندين الله به: أن الأمور التي ذكرها هؤلاء المنتسبون إلى الدعوة كلها معاصٍ، دون الكفر، بل كل ذلك كفر دون كفر، أي: من المعاصي والكبائر التي يُنفَى عن مرتكبها الإيمان الكامل لا أصل الإيمان كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن .. ) )الحديث أخرجه البخاري: (2343، 5256، 6390، 6400، 6425 ) .

... ولا شك أن الإيمان المنفي هنا هو الإيمان الكامل، ولذلك نظائر كثيرة في شريعتنا.

... نسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا، ويهدي هؤلاء وأمثالهم إلى الحق .

... أخي القارئ - يا من تتطلع إلى المنهج السلفي - بعد هذه النماذج من الأفكار الموجودة في بعض الدعاة فضلًا عن الشباب المغرر بهم الذي يجلس أمام هذا الداعية أو ذاك، ويتلقّى عنهم هذه الأفكار والمعتقدات التي تهدم عقيدة السلف؛ فبعد هذا تقول: لماذا نتكلم عن -الفِرَق- التي مضت وانقضت- الضالة والمنحرفة في عقائدها وسلوكها، بينما عقيدتها باقية، وانحرافها موجود ؟ .

= ... فتأمّل - وفقك الله - أهمية دعوة التوحيد والعمل بها، والتحذير من جميع الفِرَق في كل زمان ومكان، والرجوع إلى منهج السلف الصالح على ضوء الكتاب والسنة . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت