وفي أمور من أمثال الثقافة والتبحر الثقافي غالبًا ما أكون على تعاطف معقول مع المواقف المحافظة، ومع أن تعاطفي هذا قد يبدو شاذًا فإنه حقيقي، مع العلم أن الشيء الذي قد أعترض عليه، فيما كنت أصف، ليس بذي علاقة كبيرة بمسعى الحفاظ على الماضي، أو بقراءة الأدب العظيم، أو بإجراء دراسة جادة بل محافظة تمامًا بحد ذاتها. إن تلك الأمور لا تعنيني كثيرًا. فالشيء الذي أنتقده يتمثل بافتراضين خاصين أولهما: ذاك الافتراض الإيديولوجي المحمول باللاشعور ومؤاده أن النمط المتقوقع حول أوربا للدراسات الإنسانية يشكل عمليًا موضوعًا طبيعيًا ومناسبًا للباحث المتبحّر في تلك الدراسات. فسلطان ذلك النمط لا يأتيه من المعيار القويم للروائع الأدبية كما انحدر إلينا من خلال الأجيال وحسب، بل ويأتيه أيضًا من الطريقة التي يفضي بها هذا التواصل إلى تواصل صلة القرابة في سلسلة الإنجاب البيولوجي. والشيء الذي يؤول إلينا من ثم لا يعدو استبدال نظام بنظام آخر، وفي عملية الاستبدال هذه يكون مصير أي شيء لا إنساني ولا أدبي ولا أوربي الاستيداع في المخزن خارج البنية. وإذا تأملنا وضع العالم اليوم لمدة دقيقة واحدة لوجدنا أن معظمه ليس أوربيًا، وأن التعاملات ضمن ما يدعوه تقرير ماك برايد لليونيسكو بنظام المعلومات العالمي ليست لهذا السبب أدبية، وأن العلوم الاجتماعية ووسائل الإعلام (هذا إن اكتفينا بذكر طريقتين من طرائق الإنتاج الثقافي في ارتقائهما اليوم فوق مستوى الدراسات الإنسانية المحددة تقليديًا) تسيطر على نشر المعرفة بطرق نادرًا ما تخطر على بال الباحث الإنساني التقليدي، ولتكونت لدينا عندئذ فكرة عن مدى التقهقر الذي حل بالتوكيدات على الدراسات الإنسانية المتقوقعة في أوربا، وعن مدى تماثلها الفعلي مع النعامة.