فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 581

إن الشيء الذي أصفه هو الانتقال من فكرة، أو إمكانية، واهنة عن القرابة إلى ذلك النظام التعويضي الذي، سواء أكان حزبًا أو مؤسسة أو ثقافة أو زمرة من العقائد أو حتى رؤيا دنيوية، يوفر للرجال والنساء شكلًا جديدًا من أشكال الصلة التي لا أزال أدعوها بالتقرّب والتي هي بمثابة منظومة جديدة في الوقت نفسه. وإذا نظرنا الآن إلى هذا النمط الجديد من التقرب الذي تتزيا به الصلة سواء بالشكل الذي نجده لدى كتاب محافظين كإليوت أو عند كتاب تقدميين كلوكاش، أو لدى فرويد ولو بطريقته الخاصة، فإننا نجد أن الهدف الواضح المتعمد من استخدام ذلك النظام الجديد هو إعادة ترسيخ بقايا نوع من السلطة المقرونة ماضيًا بنظام القرابة. وهذا في النهاية هو الجزء الثالث من الأنموذج. وإن أتباع التحليل النفسي الفرويدي وفكرة لوكاش عن الحزب الطليعي ليسوا بأقل حماسة من سابقيهم للإتيان بما يمكن أن ندعوه بالسلطة المستعادة. فالهيئة الهرمية الجديدة، وحتى لو أنها جماعة أكثر مما هي هيئة، أو الجماعة الجديدة هي أعظم شأنًا من أي مشايع أو عضو بأم عينه، مثلها مثل الأب الذي هو أعظم شأنا بفضل أقدميته من البنين والبنات، وهكذا فإن الأفكار والقيم والنظرة الدنيوية التجميعية المنهجية كلها، وقد استعادت شرعيتها جراء نظام التقرب الجديد، حملة سلطة أيضًا، والنتيجة كانت أن شيئًا مماثلًا لمنظومة ثقافية قد توطدت أركانه.

وهكذا فلئن كانت صلة القرابة قد تماسكت بعضها مع بعض بفعل روابط طبيعية وأشكال سلطوية طبيعية- أي ما مضمونه الطاعة والخوف والحب والاحترام وتصارع المؤسسات- فإن صلة التقرب الجديدة تحيل هذه الروابط إلى ما يبدو شكلًا من أشكال العلاقات الشخصية- كالوعي النقابي وإجماع الآراء والزمالة الجامعية والاحترام المهني والطبقة وهيمنة الثقافة لسائدة.

فمخطط القرابة يعود إلى شعاب من صلب الطبيعة وصلب"الحياة"، في حين أن التقرب يعود بالحصر إلى الثقافة والمجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت