فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 581

فالتحول من البنوة إلى التبني "from filiation to affiliation" يوجد في أي مكان في الثقافة ويجسّد الشيء الذي يدعوه جورج سيميل بالسيرورة الثقافية العصرية التي بواسطتها"تستولد الحياة أنماطًا لها على الدوام"، أنماطًا ما أن تبرز إلى الوجود حتى"تطالب بشرعية تسمو على اللحظة، وشرعية عتيقة من نبض الحياة، وهذا السبب هو ما يجعل الحياة دائمًا على تعارض كامن مع النمط" (20) . ويخطر بالبال هنا (ييتس) في رواحه من استعراضات"عسل الذرية"إلى الأرواح"المتوالدة ذاتيًا والساخرة من مغامرة الإنسان"-تلك الاستعراضات التي جعلها تصول وتجول في كتابه المعنون بـ"الرؤيا"وفق نظام تبني فسيح ابتكره لنفسه ولعمله. أو قد يخطر على البال بعض الكتاب، كما قال إيان واط عن معاصري كونراد، من أمثال لورانس وجويس وباوند الذين يقترحون علينا"قطع الصلات مع الأسرة والبيت والطبقة والوطن، ومع المعتقدات التقليدية كونها مراحل ضرورية لبلوغ الحرية الفكرية والروحية"، ومن ثم يطلب منا هؤلاء الكتاب"اللحاق بهم والانخراط في تلك المنظومات الأسمى [تبنيًّا] أو الخاصة التي تبنوها وابتكروها بكل ما فيها من أنظمة وقيم" (21) . إن كونراد يبين لنا في أفضل أعماله عقم أمثال هذه المنظومات الخاصة ذوات الأنظمة والقيم (كالعالم الطوباوي الذي خلقه تشارلز وأميليا غولد في رواية نوسترومو، مثلًا) ، ولكن كونراد اتخذ أيضًا لنفسه في حياته، وبشكل لا يقل عن معاصريه ( كما فعل إليوت وهنري جيمز) ، الهوية الجديدة لإنسان مهاجر يتحول إلى رجل إنكليزي، وعلى الطرف الآخر من الطيف نجد لوكاش وهو يقترح علينا أن الوعي الطبقي وحده، وهو بحد ذاته شكل من أشكال العصيان الذي تتخذه محاولة التبني، هو ما قد يتمكن من اختراق تناقضات وبعزقات هذا الوجود المجسّم الذي يتمركز حوله النظام العالمي الرأسمالي الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت