الصفحة 28 من 732

وبذلك تفكك نظم ألفاظه وتمزق سياق معانيه ، ولم يدع صلوات الله

عليه الامر على ذلك فحسب ، بل نهى عن كتابته ، فقال فيما رواه مسلم

وغيره:"لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنى غير القرآن"

فليمحه ."وقد استجاب أصحابه لهذا النهى فلم يكتبوا عنه غير"

القرآن ، ولم يقف الامر بهم عند ذلك بل ثبت عنهم أنهم كانوا يرغبون

عن رواية الحديث وينهون الناس عنها ، ويتشددون فيما يروى لهم منها

.وقد كان أبو بكر وعمر لا يقبلان الحديث من الصحابي مهما بلغت

منزلته عندهما ، إلا إذا جاء عليه بشاهد يشهد معه أنه قد سمعه من

النبي ، وكان على يستحلف الصحابي على ما يرويه له رضى الله عنهم

جميعا . وكان ذلك في عصر الصحابة فترى ماذا يكون الامر بعد ذلك ؟ !

رواية الحديث بالمعنى: ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من

أحاديث النبي ، وذلك في المناسبات التى تقتضي روايتها ، وقد يكون

ذلك بعد مضى سنين طويلة على سماعها ، ووجدوا أنهم لن يستطيعوا أن

يأتوا بالحديث على أصل لفظه ، كما نطق النبي به ، استباحوا لانفسهم

أن يرووا على المعنى ، ثم سار على سبيلهم كل من جاء من الرواة

بعدهم ، فيتلقى المتأخر عن المتقدم ما يرويه عن الرسول بالمعنى ثم

يؤديه إلى غيره بما استطاع أن يمسكه ذهنه منه ، وهذا أمر معلوم لا

يمترى فيه أحد حتى لقد قال وكيع كلمته المشهورة:"إذا لم يكن"

المعنى واسعا فقد هلك الناس"وقال سفيان الثوري:"إن قلت إنى

أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني ! فإنما هو المعنى". وهكذا ظلت"

الالفاظ تختلف والمعاني تتغير بتغير الرواة . فيهم - كما قال

السيوطي: الاعاجم والمولدون وغيرهم ممن ليسوا بعرب ولهجتهم

العربية ليست خالصة ! وكان البخاري - وهو شيخ رجال الحديث ، وكتابه

، كما هو مشهور بين الجمهور - أصح كتاب بعد كتاب الله كما يقولون ،

يروى على المعنى ! ولقد كان لرواية الحديث بالمعنى - ولا جرم - ضرر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت