... وأيضًا مالك كان يتصور أن سيد قطب"كان يبحث في المجتمع المسلم الراهن، الذي هو فعلًا يعاني من أزمة غياب التحضر والتمدن معًا، في حين أن سيد قطب كان يبحث في المجتمع الإسلامي الأنموذج أو المثال، وما دام المثال أو الأنموذج الاجتماعي الإسلامي ـ في منطلقاته وأهدافه ونظمه وعلاقاته وحركته ـ يقوم على العقيدة التوحيدية، والقيم الربانية ونظرية النظم المستمدة من المنهج والشريعة الإسلاميين، فإن إسقاط كلمة متحضر هو إسقاط لصفة لا يحتاج إليها الموصوف، لأن المجتمع الإسلامي ـ المثال وليس الماثل ـ هو مجتمع متحضر بالضرورة" (1) .
... ويرى الباحث أيضًا أن مالك قد أسرف كثيرًا في استخدام المعادلات الرياضية والفلسفية والفكرية، في الإطلاق على مدنيات العالم بأنها حضارات، لمجرد وجود الأشكال المادية فيتكلم عن الاتحاد السوفيتي الذي كان في وقته يمثل قوة عظمى، بأنه شكلًا لحضارة بقوله:"فإن الأفكار الماركسية قد استخدمت لنموها واكتمالها، كل البنية التحتية النفسانية والمفاهمية المسيحية للإنسان الذي حوّل: إنجيل يسوع المسيح إلى إنجيل لماركس". (2)
... وقد حاول مالك إقحام الفكرة الدينية في تشكيل ما يسمى اليوم بالحضارات الغربية بغض النظر عن كونها صحيحة أم خاطئة، أم هي فلسفات أرضية، ليحقق بذلك نظريته في الحضارة، والدليل على ذلك قوله:"ولقد ولدت المجتمعات ، التي لم تنفك تسلط حتى هذا الحين، انعكاسات حضاراتها على الخارطة الجغرافية، واعني بها: الهندوسية، والبوذية والموسوية، والإسلامية، من هذه الانطلاقة الروحية التي أقامت هياكل"براهما""ويهوه"ومعابد البوذية والكنائس... والمساجد الإسلامية، فكل هذه الحضارات ـ المعاصرة لنا ـ قد شكلت المتآلف الأصلي، للإنسان، والتراب، والزمن، في مهد الفكرة الدينية" (3) .
(1) التغيير الاجتماعي عند مالك بن نبي: ص274 .
(2) آفاق جزائرية: ص67 .
(3) المصدر السابق: ص66 .