الصفحة 55 من 247

... إن ابن نبي يرى أن مفهوم الحضارة هو عبارة عن مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، وأن أي حضارة في العالم لابد أن تسير ضمن دورة متكررة كالإنسان، من ميلاد وشباب وشيخوخة وهو ما أطلق عليه اسم الدورة الحضارية، موضحًا المؤثر الرئيس في التغيير الحضاري بأنه مقدار القرب والبعد من الجانب الروحي، فعامل الروح هو المؤثر في الميلاد لأي حضارة، وعامل العقل هو المؤدي إلى بداية الانهيار، ثم عامل الغريزة الذي يعني وفاة الحضارة وأنه لابد من توفر شروط مترابطة من الإنسان والوقت والتراب، مع اعتبار أن الإنسان هو العامل الرئيس في تحريك هذه الشروط لتكون مؤثرة على الواقع من أجل تغييره وهذا بمقدار قربه أو بعده من العامل الروحي الذي هو المركب الفعال في الربط بين شروط الحضارة فالمقصود من الدورة الحضارية، هو معرفة العامل الذي يؤثر في بناء الحضارة وعامل السقوط لهذه الحضارة، فمالك بن نبي يرى أن الفكر هو المؤثر في التغيير وأفضل مؤثر فيما يرى هو ما يطلق عليه الفكر الديني ويقصد به الدين أو العقيدة. (1)

... وإن ابن خلدون يرى أن الحضارة هي عبارة عن التفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في المجال المادي من ملابس ومطابخ وغيرها حيث عرّفها بقوله:"هي تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة في وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله" (2) فهو بذلك لم يميز بين المفهوم القيمي الأخلاقي والمجال المدني، ولكن ابن نبِّي ميّز بينهما، ولكن كل منهما متفق في وجود دورة حضارية،وهو أن وراء التغير التاريخي والدولي عوامل معينة.

(1) انظر:شروط النهضة: ص66 ، انظر:مشكلة الأفكار:مالك بن نبي ، ط1 ، دار الدعوة ، ترجمة د عبد العظيم علي، ص 20 (2) مقدمة بن خلدون: ص172 .

(3) أسس التقدم الفكري عند مفكري الإسلام: فهمي جدعان ، دار الشروق ، ط2 عام 1988 م ، ص98 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت