الصفحة 306 من 471

هذا، وإن تفاوتت مراتبها في الإخلال بالدين، فليس ذلك بمخرج لها عن أن تكون كبائر، كما أن القواعد الخمس أركان الدين، وهى متفاوته في الترتيب، فليس الإخلال بالشهادتين كالإخلال بالصلاة، ولا الإخلال بالصلاة كالإخلال بالزكاة، ولا الإخلال بالزكاة كالإخلال برمضان، وكذلك سائرها مع الإخلال، فكل منها كبيرة، فقد آل النظر إلى أن كل بدعة كبيرة.

ويجاب عنه: بأن هذا النظر يدل على ما ذكر، ففى النظر ما يدل من جهة أخرى على إثبات الصغيرة من أوجه:

أحدها: أنا نقول: الإخلال بضرورة النفس كبيرة بلا إشكال، ولكنها على مراتب، أدناها لا يسمى كبيرة، فالقتل كبيرة، وقطع الأعضاء من غير إجهاز كبيرة دونها، وقطع عضو واحد كبيرة دونها ... وهلم جرا إلى أن تنتهى إلى اللطمة، ثم إلى أقل خدش يتصور، فلا يصح أن يقال في مثله كبيرة.

فالصغائر في البدع ثابتة، كما أنها في المعاصى ثابتة.

والثانى: أن البدع تنقسم إلى ما هى كلية في الشريعة وإلى جزئية، ومعنى ذلك أن يكون الخلل الواقع بسبب البدعة كليًا في الشريعة، كبدعة التحسين والتقبيح العقليين، وبدعة إنكار الأخبار السنية اقتصارًا على القرآن، وبدعة الخوارج في قولهم: لا حكم إلا الله ... وما أشبه ذلك من البدع التى لا تختص فرعًا من فروع الشريعة دون فرع، بل تجدها تنتظم ما لا ينحصر من الفروع الجزئية، أو يكون الخلل الواقع جزئيًا، إنما يأتى في بعض الفروع دون بعض، كبدعة التثويب بالصلاة الذى قال فيه مالك: التثويب ضلال [1] ، وبدعة الأذان والإقامة في العيدين، وبدعة الاعتماد في الصلاة على إحدى الرجلين ... وما أشبه ذلك، فهذا القسم لا تتعدى فيه البدعة محلها، ولا تنتظم تحتها غيرها حتى تكون أصلًا لها.

(1) ... يعنى به النداء للصلاة بعد الأذان كقولهم: الصلاة يا عباد الله !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت