الصفحة 27 من 471

لأنها إحداث في دين الله وابتداء أشياء في الشرع لا دليل عليها فيه، واختراع ما يضاهى المشروع بما ليس له ذكر فيه، وبما ليس عند فاعله معرفة ولا برهان (فإن جميع البدع إنما هى رأى على غير أصل) [1] .

والأصل الثانى في استعمال كلمة (بدع) هو الانقطاع والكلال مأخوذ من الإبداع، وهو المرض الذى يصيب الإبل فيمنعها من السير، من هزال أو عطب أو كلال. وهذا المعنى أيضًا ينطبق على البدعة بالمعنى الشرعى، إذ المبتدع حين ينشئ بدعته مضاد للشرع ومراغم له"حيث نصَّب المبتدع نفسه المستدرك على الشريعة، لا المكتفى بما حُدَّ له" [2] .

وهذا هو عين الانقطاع، بل أشد الانقطاع وأخبثه، لأنه يزيح الإنسان عن تحصيل كمال خلقه بالعبودية التامة لله، والتى لا تتحقق إلا باتباع الشارع، (...فأكمل الخلق وأفضلهم وأعلاهم، وأقربهم إلى الله وأقواهم وأهداهم، أتممهم عبودية لله ... وهذا هو حقيقة دين الإسلام الذى أرسل الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو أن يستسلم العبد لله لا لغيره، فالمستسلم له ولغيره مشرك، والممتنع عن الاستسلام له مستكبر) [3] .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإذا حصل هذا الانقطاع تبعه انقطاع عن تحصيل لذته في العاجلة والآجلة، بمرض قلبه واسوداده وانتكاسه، فإذا اسود وانتكس عرض له من هاتين الآفتين مرضان خطران متراميان به إلى الهلاك:

أحدهما: اشتباه المعروف عليه بالمنكر، فلا يَعرفُ معروفًا ولا يُنْكرُ مُنكرًا وربما استحكم عليه هذا المرض حتى يعتقد المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والحق باطلًا، والباطل حقًا.

(1) ... الاعتصام 1/99.

(2) ... الاعتصام 2/61.

(3) ... العبودية لابن تيمية ج1/110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت