قال أبو حامد [1]
(1) ... الغزالي: الشيخ الإمام البحر، حجة الإسلام أعجوبة الزمان زين الدين، أبو حامد محمد ابن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي الغزالي، صاحب التصانيف والذكاء المفرط، مولده سنة خمسين وأربع مئة. لازم إمام الحرمين فبرع في الفقه في مدة قريبة، ومهر في الكلام والجدل حتى صار عين المناظرين، وأخذ في تأليف الأصول والفقه والكلام والحكمة، وأدخله سيلان ذهنه في مضايق الكلام ومزال الأقدام، ولله سر في خلقه، ألف كتاب الإحياء وكتاب الأربعين، وكتاب القسطاس، وكانت خاتمة أمره إقباله على طلب الحديث ومجالسة أهله، ومطالعة الصحيحين، ولو عاش لسبق الكل في ذلك الفن بيسير من الأيام، ومما نقم عليه ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كتاب كيمياء السعادة والعلوم، وشرح بعض الصور والمسائل بحيث لا توافق مراسم الشرع وظواهر ما عليه قواعد الملة، قلت: ما نقمه عبد الغافر على أبي حامد في الكيمياء فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة وأراد أن يتقيأهم فما استطاع. ومن معجم أبي علي الصدفي تأليف القاضي عياض له قال: والشيخ أبو حامد ذو الأنباء الشنيعة والتصانيف العظيمة، غلا في طريقة التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم وصار داعية في ذلك، وألف فيه تواليفه المشهورة، أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها والبعد عنها، قلت: ما زال العلماء يختلفون، ويتكلم العالم في العالم باجتهاده، وكل منهم معذور مأجور، ومن عاند أو خرق الإجماع فهو مأزور، وإلى الله ترجع الأمور. قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب التهافت، وكشف عوارهم، ووافقهم في مواضع ظنًا منه أن ذلك حق أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل..حبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا، وهو داء عضال، وجرب مرد، وسم قتال، ولولا أن أبا حامد من كبار الأذكياء، وخيار المخلصين لتلف، فالحذار الحذار من هذه الكتب. وقال أبو عمرو بن الصلاح: فصل: لبيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد: منها قوله في المنطق هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلًا، قال: فهذا مردود إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسًا، فأما كتاب المضنون به على غير أهله: فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة به بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبدالله الشهرزوري أنه موضوع على الغزالي، وأنه مخترع من كتاب مقاصد الفلاسفة، وقد نقضه الرجل بكتاب التهافت. أورد المازري أشياء مما نقده على أبي حامد في الإحياء، ثم إن المازري أثنى على أبي حامد في الفقه، وقال: هو بالفقه أعرف منه بأصوله، وأما علم الكلام الذي هو أصول الدين، فإنه صنف فيه وليس بالمتبحر فيها. قال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد الإحياء بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم كتابًا على بسيط الأرض أكثر كذبًا منه. صنف البسط والوسيط والوجيز والخلاصة والإحياء، وألف المستصفى في أصول الفقه والمنخول واللباب، والمنتحل في الجدل وتهافت الفلاسفة، ومحك النظر ومعيار العلم، وشرح الأسماء الحسنى ومشكاة الأنوار، والمنقذ من الضلال. قيل إنه ألف المنخول فرآه أبو المعالي فقال: دفنتني وأنا حي فهلا صبرت، الآن كتابك غطى على كتابي. قلت: الغزالي إمام كبير وما من شرط العالم أنه لا يخطئ. أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علمًا نافعًا، تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن وفسره الرسول صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا ولم يأت نهي عنه، قال عليه السلام: من رغب عن سنتي فليس مني. توفي يوم الاثنين رابع عشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمس مئة وله خمس وخمسون سنة، ودفن بمقبرة الطابران قصبة بلاد طوس فرحم الله الإمام أبا حامد فأين مثله في علومه وفضائله ولكن لا ندعي عصمته من الغلط والخطأ ولا تقليد في الأصول (السير 9/323) .