إن تحليل التحولات الطارئة على الاقتصاد العالمي، توضّح لنا ـ بكل أسف ـ رؤية ضبابية لأي طريق آخر للتنمية غير طريق الاندماج في اقتصاد المبادلات العالمي، ضمن نموذج تنمية مسيطر، أي ضمن إطار التعديل الهيكلي كما هو مفروض من قبل مؤسسات"بريتون وودز"؛ إلا أننا يمكن أن نتصور آفاقا للخروج من هذه الأزمة التي تواجه التنمية والتخطيط بالبلدان المتخلفة من خلال استعراض المفاضلات المختلفة في تطبيق سياسات التعديل الهيكلي فيما يلي:
أولا ـ الاختيارات الوطنية والدولية: أي دور يمكن أن يمنح للأهداف الوطنية ضمن الإطار الدولي الراهن؟ ذلك أن أنصار ما سمي بـ"نهاية التاريخ"أي نهاية الإيديولوجيا يرون أن الاختيارات الوطنية يجب أن تخضع لاختيارات الإطار الدولي، إذ لم يعد في رأيهم هناك سبب لتقديس النظام الدولي، والذي ما هو سوى نتيجة للتاريخ ولعلاقات القوى التي سادته في وقت ما، ولذلك فإنه لن يكون أكثر وضوحا من التأكيد على وجوب تغليب الاختيارات الوطنية دائما على تلك الدولية:وهكذا فإن نتيجة ذلك ستكون إما الفوضى والحروب، وإما إعادة تأسيس علاقات قوى لن تكون من الضروري في كل الأحوال أفضل من سابقاتها.
وعليه فإننا نرى أن التحدي الأساسي الذي يواجه النظام الدولي يتمثل في تخفيف هذا الإرغام في علاقات القوى، والعمل بالمؤسسات الدولية على تدوين مستوى وآليات معينة معترف لمختلف الدول والأمم فيما يتعلق باستقلالية تحديد وتوجيه تنميتها؛ وهو ما يبدو في نظرنا إيضاحا لقابلية التعايش الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في هذا العالم؛ ولكن يبدو أن الأفكار المسيطرة تبقى بعيدة جدَّا عن مبدأ الاستقلالية هذا.