يصف القاضي ابن شداد صلاح الدين، وقد كان لصيقًا به في السنوات العشر الأخيرة من حياته، لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا يقول:"لقد كان رحمه الله شديد المواظبة على الجهاد، قد استولى حبه على قلبه، ولقد هجر في محبته أهله وأولاده ووطنه وسكنه، وقنع من الدنيا بالسكون في خيمة تهب بها الرياح يمنة ويسرة، وقد تكالبت عليه الأمراض، حتى لم يكن يستطيع الركوب ولا الجلوس على الطعام، ومع ذلك فإنه يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر وهو صابر على شدة الألم ويقول:"إذا ركبت يزول عني ألمها حتى أنزل"ويقول عنه ابن الأثير:"كان رحمه الله كريمًا حليمًا متواضعًا صبورًا على ما يكره"وقد توفي، ولم يوجد في خزانته من الفضة إلا سبعة وأربعون درهمًا، ومن الذهب إلا جرم واحد صوري، وقد وصفه وزيره القاضي الفاضل بأنه"قليل اللذات، كثير الحسنات، متقللًا في مطعمه ولباسه، وله معروف في السر والعلانية، يهتم بأصحاب الفضائل، ويؤثر أرباب البيوت وذوي النباهة، محبًا للغرباء، مكرمًا للأصدقاء.."."
إن من حسن الحظ أن دروس الحياة لا تنقطع، وأن ما كان بالأمس قد يحدث اليوم أو غدًا، وحوادث التاريخ تتكرر، وإن اختلفت في مظاهرها وأشكالها مع اختلاف الذين يتعاملون معها من خلق بعد خلق"لقد استنشق صلاح الدين ومن حوله رياح التاريخ حين هبت، فشرعوا لها القلوع والقلوب، وأدركوا أن النصر لا يمكن أن يكون إلا هنا، طريق الإسلام، وهو طريق أهل السنة، وكل طريق غيره لا يوصل إلا إلى الخلاف وتبديد القوى" (14) .
(1) تفسير المنار (1/432) .
(2) المدارك (3/318) .
(3) تشجع بعض الكتاب الأوروبيين - وهم قلة نادرة- في السنوات الأخيرة وانتقدوا تصرفات اليهود في فلسطين المحتلة.
(4) محمد الميلي: ابن باديس وعروبة الجزائر 65.