الصفحة 2 من 51

وكان أن استقرت مواعظه في قلبي، فنشأت معتقدا وجوب أنماط التربية الإيمانية في الطريق الدعوي، وأن تجاوزها إلى الشكل السياسي المحض محفوف بالمخاطر، وقد ينتج أفئدة فيها قسوة، ليس لها من الصفاء وفرة نصيب، ويؤدي إلى رجحان النفس الأمارة بالسوء على النفس الزكية، وهي التي عناها وليد بالمحاربة، وكل من يفقه آداب الإسلام وسننه يدرك تماما أن هذا السوء المعني ليس من شرطه أن يكون حالكا ثقيل الوطأة موغلا في الإغراب والإيذاء، وإنما يكفيه أن يكون لمما وصغائر وحالات ريائية وتحاسدية، مثلا، لأن الميزان الإيماني حساس جدا، ولفظ السوء يشمل هذه الأمراض القلبية، ومن ثم لزم أن يكون محيط الدعاة بريئا منها، بعيدا عنها.

فخر عليهم السقف من فوقهم

ولذلك فهمت، ومنذ وقت قديم، وجوب وراثة الرعيل الدعوي الأول، وأن أرفع شعار"الاكتمال من خلال تغذية الروح بالقرآن الكريم والسنة المطهرة"، وأن أرصد نفسي للدندنة حول كل معنى تربوي يقود إلى تحليق الأرواح نحو المعالي.

وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله قد دخل مسجدا، فرأى فيه حلقة ظنهم في ذكر، فجلس إليهم، فإذا هم يتحدثون في الدنيا، فقال:"سبحان الله! هل تدرون يا هؤلاء ما مثلي ومثلكم؟ كمثل رجل أصابه مطر غزير وابل ، فالتفت فإذا هو بمصراعين عظيمين ، فقال: لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني أذى هذا المطر، فدخل، فإذا بيت لا سقف له. جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على خير ، على ذكر ، فإذا أنتم أصحاب دنيا" (1) .

وقد أسرني هذا المثل، وتجلت لي فيه حالة رهط الدعاة إذا غفل ولم ينشغل بالتريية، وكثر فيه ذكر الأموال والأسعار والنساء والسيارات.

رقاب منكسة... يرفضها طريق المعالي

والآيات زاجرة، تدعو إلى القناعة.

قال تعالى في سورة طه: { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى } ..

(1) زهد ابن المبارك/ 338

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت