وقال ابن عبد البر في موضع آخر: وربما ولَّاها شيئا من أمر السوق" [1] ."
على أنه يستبعد صُدُور مثل هذا الفعل عن عمر؛ لأمرين:
الأول: أنه مخالف للحديث المتفق على صحته، ولا يعقل أن يخالف عمرُ الحديثَ.
الثاني: على فرض عدم وصول هذا الحديث لسيدنا عمر، فإن فكرة الحجاب صدرت أساسًا عن عمر، حيث أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب، فنزلت آية الحجاب وصارت تشريعًا، فهل يعقل أن ينقض عمر هذه الفكرة بتعيين امرأة تمكث طوال يومها تخالط الرجال في الأسواق، وعنده من الرجال مَن يقوم بحمل هذا العبء وزيادة؟! [2] .
5 -ويناقش استدلالهم بقياس القضاء على الإفتاء، بأنه قياس مع الفارق؛ فلا يصلح الاستدلال به، والفارق من ناحيتين:
الناحية الأولى: أن القضاء ولاية، بخلاف الفتيا، فإنها ليست ولاية.
الناحية الثانية: أن حكم القضاء ملزم، أما الفتيا فلا إلزام فيها، فيجوز للمستفتي أن يأخذ بالحكم أو يتركه.
الرد على هذه المناقشة:
ويرد على هذه المناقشة بأن الفتوى قد تكون ملزمة، وذلك فيما إذا لم يوجد إلا واحد يصلح للإفتاء، ومع ذلك لم تُستثن هذه الحالة من أهلية المرأة، فتكون الفتيا ولاية في الجملة.
الإجابة على الرد:
ويجاب على هذا الرد بأن الإلزام هنا للضرورة، ومن المعروف أن الضرورة لها أحكامها الخاصة التي تخالف أحكام حالة الاختيار، وموضوع الخلاف مفروض في حالة الاختيار؛ ولهذا لو وجدت حالة الضرورة في قضاء المرأة، بأنَّ ولَّاها سلطان ذو شوكة، فإنه ينفذ قضاؤها؛ لئلا تتعطل مصالح الناس، وبهذا تكون حالة الضرورة في قضاء المرأة حالة استثنائية [3] .
6 -وأمَّا استدلالهم بأن القاضي أجير عند الدولة، ولا فرق بين الرجال والمرأة في الإجارة، فيناقش بأنه قياس مع الفارق، فلا يقاس القضاء على تولي المرأة في عصرنا الحاضر بعض الأعمال الإدارية العامة؛ لأن القضاء له طبيعة خاصَّة، ليست من جنس العمل الإداري العادي، كما أن
(1) "الاستيعاب"915.
(2) ينظر:"النظام القضائي"، د. محمد رأفت عثمان، ص 146.
(3) ينظر:"النظام القضائي"، د. محمد رأفت عثمان، ص 146.