لقد قضينا نيفًا وأربعة أعوام- 1919-1924- ونحن نسأل المعلم حسني والمعلم حسني يجيب، ولم يعد يعلمنا التاريخ القديم فقد كانت الدروس في معظم الأوقات التاريخ المعاصر، تاريخ القضية الوطنية: وعد بلفور، الهجرة اليهودية، الاستقلال، الوحدة العربية.
وكان المعلم حسني بقامته الممشوقة ولثغته الحلوة يحدثنا الأحاديث الوطنية وما يجري في دمشق من أحداث، ومؤتمرات، ومظاهرات.
لقد عشنا تلك السنين الأربع مع المعلم حسني أحلى أحلامنا مع الوحدة وأعز ذكرياتنا عن دمشق عاصمة الوحدة.
توالت بعد ذلك تقارير القدر العجيب الرهيب..
لقد تعاقبت خمسون عاما على تلك الأيام في مثل البرق الخاطف، لنرى المعلم حسني هاربا إلى دمشق، لاجئا مع اللاجئين بعد نكبة فلسطين في عام 1948، ثم يموت في دمشق المدينة الكبيرة التي أحبها، وعلَّمنا أن نحبها..
وفي زورة لدمشق، وقفت على قبر المعلم حسني، أترحم عليه، وعلى الوحدة، فقد دفن كلاهما في دمشق.
لقد عاش المعلم حسني في دمشق قرابة خمسة وعشرين عاما. رأى خلالها مباهج الوحدة وأفراحها في أوائل 1958، ثم امتد عمره ليرى مأساة الانفصال في خريف عام 1961، وكان قد بلغ خريف حياته.
لقد خرج المعلم حسني من فلسطين، مع جموع اللاجئين، وعاش عمره ليرى كارثة 1948، وبعدها كارثة 1967، وليموت دون أن تدوم الوحدة التي علَّمنا الكثير من شؤونها وشجونها.
ولو أن الوحدة العربية تحققت في حياته، ما كان لاجئا مع اللاجئين، ولا ضاعت فلسطين ولا ضاعت معها سيناء والجولان.. ولا ضاع بيت