ليبالغون في الفداء والبذل إبقاء لهذه النعماء الرضية الندية، وليس يهُم بعد ذلك ان كانت هذه الحياة الندية هي خلاسة من حياة بقية البشر الذين يعيشون في الناحية الأخرى من الدنيا.
ورجعنا من جولتنا لتقلنا الطائرة الى نيويورك، فوثبت بنا بين أحضان الرياح تميل ذات اليمين وذات الشمال، غير أن هذه المرحلة من سفرنا قد امتازت، بالباراشوت، حملناه على أكتافنا بعد أن شرح الضابط كيفية لبسه واستعماله، وتم لنا بالفهم والنظر، لا بالتدريب والممارسة، تَقلُّد جهازين أحدهما الواقي حين الهبوط في البحر، والآخر الواقي حين الهبوط في اليابسة ولقد خطر لي أنَّ هذه الوثبة الى الجندية من قمتها العليا، قبل أن نُدرَّب على مبادئها الأولى، عمل مجيد حقيق بالحمد والثناء ... ... وهكذا يكذب المرء على نفسه، ليدفع عنها مرارة الحرمان ولوعة الجهل.
وفي هذه الرحلة يشهد إنسان الجو الطبيعة تحتفل بذاتها، فتختال بكل زخرفها وزينتها، فهذا الإقليم الممتد من"برسك"جنوبا موطن الربى وعلى صدر السهول، البحيرات الصغيرة والكبيرة مبثوثة هنا وهناك على غير نظام وانسجام بكل الأشكال الهندسية التي تعرفها حركة الخطوط، حرية الخطوط، أحراش الصنوبر بعثت ظلالها رسل محبة الى البحيرات والأنهار، والطائرة ترسل دويها ليمزق ذلك الحنان يرف بين الأغصان، وهذه البيوت الريفية تتربع مكانها في رؤوس الربى وعلى حواف الوديان، وقد حنت عليها الأغصان لتكون أعشاش دعة وسكينة واطمئنان، وكأنما أُودعت أفانين الجمال في هذه الأرض، رقعة رقعة، ثم جُمعت الى بعضها فجاءت صورة حية تنطق بقدرة الله على ترصيع هذا الحسن وهذا البهاء. ولقد أرسلت بصري في هذا الإقليم فلم أشهد أرضا معطلة أو مهملة، وخُيِّل